توقيت القاهرة المحلي 23:17:09 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الشرع والموعد السعودي

  مصر اليوم -

الشرع والموعد السعودي

بقلم:غسان شربل

حين يختار الرئيس السوري أحمد الشرع السعودية لتكون وجهته الأولى في رحلاته الخارجية فإنه يوجّه رسالة صريحة إلى الداخل والخارج. ولا يتعلّق الأمر فقط بكون السعودية صاحبة ثقل اقتصادي وسياسي عربي وإسلامي ودولي، بل إنه يتعلق أيضاً بالسعودية الجديدة التي شهدت في حفنة سنوات ورشة إصلاح وانفتاح رائدة في معركة التقدم. منذ لحظة نجاحه في إطاحة نظام الأسدين، تصرف الشرع تصرف المدرك لموازين القوى الجديدة في المنطقة، والمدرك أيضاً للمصالح الفعلية لسوريا الجديدة التي يأمل أن تتشكل.

حفنة أسابيع كانت كافية لتتغير صورة سوريا. لم تعد دولة طاردة لمواطنيها، ولم تعد مفاتيح مصيرها مقيمة في مكتب المرشد أو أدراج القيصر. ذكرتني حالة الأمل بكلام سمعته سابقاً، وكان يوحي بأن سوريا مريض يتعذر إنقاذه.

في سبتمبر (أيلول) 2015 ذهبت إلى برلين لمعاينة أوضاع أمواج السوريين الذين فروا إليها. استوقفني ما قاله شاب قفز إلى أحد «قوارب الموت» للاستقالة من بلاده، قال: «حين وصلت إلى ألمانيا شعرت للمرة الأولى بكرامتي كإنسان». وسألت وافداً في قارب آخر عن وضعه فَرَدَّ: «ممتاز. ثلاث وجبات يومياً، ونوم بلا خوف، ولا (بعث) هنا ولا (داعش)». أوجعني يومها أن يبتهج سوري بالإقامة في مركز إيواء ألماني مغتبطاً بالوجبات الثلاث، والبعد عن «داعش» ونظام سجن صيدنايا.

تذكرت أيضاً يوم دخلت مكتب شاب اسمه بشار الأسد في بدايات عهده. قال إن الوضع الاقتصادي صعب، والإدارة هرمة، والحزب مصاب بالخمول. قال أيضاً إن قوة الدول لا تقاس بجيوشها، بل بمتانة اقتصادها. باكراً خاف نظام بشار من فتح النافذة، وانقطع الخيط الرفيع الذي كان يمكن أن يربط القصر بالناس أو ببعضهم. تعمقت عزلة «السيد الرئيس». لم يدرك معنى أن تقتلع دبابة أميركية تمثال صدام حسين. ولم يتوقف طويلاً عند اضطراره إلى سحب قواته من لبنان على هدير غضب اللبنانيين رداً على اغتيال رفيق الحريري. خاف من اتخاذ القرارات المؤلمة اللازمة، وسلّم مفاتيح بلاده إلى «محور الممانعة».

أقنع الجنرال قاسم سليماني سيد الكرملين بفوائد إنقاذ نظام الأسد. تجاهلت طهران مشاعر أكثرية السوريين، وارتكبت موسكو الخطأ نفسه. وأثار تشدد المعارضة السورية قلق دول كثيرة. وهكذا تم تأجيل سقوط النظام الذي استمر في التوهم أنه مقيم «إلى الأبد». في تلك الأيام كان شاب اسمه أحمد الشرع يعبر تجارب السجن والقتال ولغة التشدد. وفي الأعوام الأخيرة، انتظر الشرع في «دويلة إدلب». حاور الفصائل، وحاور الناس، ولم يخطر ببال أحد أنه سيطل ذات يوم من الجامع الأموي في دمشق ليطوي صفحة ما يزيد على نصف قرن من حكم الأسدين.

فاجأت إطلالة الشرع أهل المنطقة والعالم. ما قاله الرجل القوي الجديد ضاعف الرغبة في معرفة ما يدور في أوردة رأسه. خلال بضعة أسابيع تغيرت صورة الشرع عن صورة «أبو محمد الجولاني». قال إنه يريد سوريا تتسع لكل مكوناتها بلا إقصاء. قال إنه يريد سوريا الدولة لا سوريا الفصائل. وإنه لا يريد زج بلاده في الحروب ومعارك الاستنزاف. يريد فتح الباب لمشاركة السوريين في الداخل والخارج. ويحلم بإعادة ملايين السوريين الذين أرغمهم النظام السابق على الفرار إلى خيام في الدول المجاورة، أو إلى ذل تسوُّل الإقامات في بلدان بعيدة. ولحظة إطلالة الشرع المدوية من دمشق، خاف كثيرون من أعمال ثأرية. لكن على العكس لعب الشرع دوراً حاسماً في منع عاصفة الثأر.

أوحت تجربة الشرع في الأسابيع الماضية بأن الرجل أعد خلال الانتظار الطويل في «جمهورية إدلب» برنامجاً تفصيلياً لتبديد مخاوف الداخل والخارج. فاجأ زائريه. شعروا بأن الرجل يشق طريقه بسلاح الواقعية مدركاً خطورة تطبيق الوصفات الجامدة التي يمكن أن توقع سوريا الجديدة في العزلة أو الاحتراب الأهلي، وتمنع العالم من مد يد المساعدة لها. قال زوار إنه يملك القدرة على الاستماع والإقناع. والقدرة على المرونة والحزم. والقدرة على قبول الآخر، وتفادي الإصرار على فرض الزي الموحد في بلاد تتعدد فيها الانتماءات العرقية والدينية والمذهبية. وبينهم من رأى أن الرجل يعرف المنطقة ويعرف العالم. وقدموا دليلاً أنه لم يسارع إلى الوقوع في فخ رد فعل سريع على السلوك الإسرائيلي المفرط في عدوانيته رغم تبخر الحضور الإيراني على الأرض السورية. لاحظوا أيضاً أنه سدد ضربة قاتلة إلى «محور الممانعة»، لكنه امتنع عن الاحتفال، وقلّص الحضور العسكري الروسي من دون إطلاق عبارات ثأرية.

اختيار الشرع السعودية وجهته الأولى تعبير عن إدراكه اهتمام السعودية الدائم ببقاء سوريا عضواً فاعلاً في أسرتها العربية مع احترام إرادة شعبها ودعم سيادتها ووحدة أراضيها وحلمها في الاستقرار والازدهار. ولقاء الشرع مع حامل مشعل النهضة السعودية الأمير محمد بن سلمان موعد استثنائي سيترك بالتأكيد بصماته على موقع سوريا الجديدة في عائلتها العربية وعلاقاتها الدولية.

يعرف الزائر السوري السعودية؛ فهو وُلد في الرياض، وسار فيها خطوات طفولته. ويعرف السعودية الحالية، وهي قوة استقرار وشراكات استثمار وازدهار. يعرف أيضاً الدور الذي لعبته في إقناع دول غربية بخفض العقوبات على سوريا تمهيداً لطيّها. ويدرك حجم المساعدة التي يمكن أن توفرها السعودية لبلاده في عالم يعيش على توقيت رجل اسمه دونالد ترمب. يدرك أيضاً أن الاستحقاقات الإقليمية تتدافع، فحين كان في طريقه إلى السعودية كان بنيامين نتنياهو يتوجه إلى البيت الأبيض الذي اختار الإقامة مجدداً في عهد رجل المفاجآت والمنعطفات والمبادرات. موعد الشرع السعودي مهم للبلدين ولاستقرار سوريا والشرق الأوسط.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الشرع والموعد السعودي الشرع والموعد السعودي



GMT 21:15 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

لماذا لا يستأنف ترامب الحرب؟!

GMT 09:52 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

شاعر الرسائل

GMT 09:42 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

أيُّ الرِّجال المُهَذَّب؟!

GMT 09:36 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل سكت ناقوس 5 يونيو؟

GMT 09:34 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل يمكن السيطرة على قنبلة الذكاء الاصطناعي؟

GMT 09:32 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

مطار مدني تحت النيران

GMT 09:27 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

منتدى سان بطرسبرغ والمستقبل المستقر

GMT 07:53 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين؟

نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 06:48 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تركي آل الشيخ يمازح ابراهيم فايق ومهيب عبد الهادي

GMT 01:35 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سنغافورة نموذج عالمي لتحقيق جودة حياة وصحة مستدامة

GMT 12:44 2020 الجمعة ,25 كانون الأول / ديسمبر

صلاح يتخذ أولى الخطوات للرحيل عن ليفربول

GMT 14:18 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 23:31 2021 الأحد ,19 أيلول / سبتمبر

نصائح الخبراء للعناية بالبشرة في المنزل

GMT 09:18 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

بيراميدز يخاطب نادي الزمالك لشراء نجمه

GMT 03:26 2020 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

منتخب البرازيل المنتشي يتحدى طموح بيرو في تصفيات كأس العالم

GMT 16:13 2020 الخميس ,08 تشرين الأول / أكتوبر

الاتحاد الإيطالي يفرض العزل على منتخب الشباب تحت 21 عامًا

GMT 22:36 2017 الجمعة ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

أحمد كرارة يستعد للمشاركة في مسلسل "فوق السحاب"

GMT 07:50 2017 الأحد ,01 تشرين الأول / أكتوبر

بلباو تحتفي بالذكرى الـ 20 لافتتاح متحف غوغنهايم

GMT 16:05 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

تسلا تقترب من الاتفاق علي إقامة مصنع سيارات في إندونيسيا

GMT 06:30 2022 الثلاثاء ,27 كانون الأول / ديسمبر

إصابة مدافع لايبزيج في الكاحل خلال عطلته في المالديف
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt