بقلم:عزة كامل
في ذلك الصباح نفدت فى منزل العجوز آخر قطعة خبز، وأصبحت مهددة بالجوع، لو لم تجد حلًّا، فقررت أن تخرج فورًا لكى تبحث عن طعام، أى طعام لتسد به جوع تلك العائلة الكبيرة التى تنتظرها بطون خاوية، وبينما هى تهم بالخروج، أحست بدمعة ساخنة تنحدر خلسة فوق وجهها، كان التعب يمتص كل شىء دائمًا، الحقول تشع برودة فى هذا المدى المترامى، التلال رمادية صفراء، وتصدر صريرًا متواصلًا وحادا، كذلك كان الجوع.
كانت كل الأشياء يابسة جدًا لدرجة الموت، وأزقة البلدة خالية من الناس تمامًا، واشتد البرد، وقفت عربة ركاب أمام المدخل الكبير للبلدة، ترجل منها رجل كان يرتدى معطفًا مبللًا حاملًا مخلته ومزماره، لم يضع قدميه على الأرض حتى انتشرت الرائحة، رائحة ذكية، سار حتى وصل إلى الشجرة العتيقة، أغمض عينيه، وأطلق فمه لفرط ما كان يملؤها من نشوة، كانت الشجرة تقف أمام بيت العجوز على مساحة لا تزيد على عشر خطوات، عندما غدت على مقربة منها، شمّت الرائحة فتخدرت، تقدمت نحوه مذهولة ومغمورة بالدهشة، وفجأة امتلأ المكان حولهما بمئات من القطط والكلاب، وكأن الرائحة نادت عليهم وجعلتهم يلتذون كثيرًا، وهى تغشى أنوفهم، وفجأة ساد الصمت وترامى عبر الفضاء، بدأت القطط والكلاب تستلقى على الأرض بأريحية تامة وسلام، بينما يتصاعد لظى نار أبيض من وراء الشجرة، كأن روحًا تصعد منها.
كانت العجوز تنظر للرجل ولم تكن تفهم شيئًا من الذى تراه، فعندما بدأ الرجل يدخل إلى اليمين، نهضت الكلاب والقطط وسارت خلفه، وكذلك فعلت هى، والرائحة تلاحقهم، كان الجو باردًا، والشمس خجولة معلقة فى السماء، وصلوا إلى حافة النهر، وقفزوا فيه، وهى تواصل اندهاشها، والقطط والكلاب تسبح بقوة وتخبط الماء بأرجلها، وفجأة أخرج النهر ولفظ من جوفه كتلًا من الأسماك، أخذت العجوز تلتقط وتلم الأسماك فى ثيابها، وتضعها على حافة النهر، ثم تعود لتلتقط المزيد وهكذا، فجأة امتلأ المكان من حولها بنساء كثيرات يحملن أوعية فوق رؤوسهن، ونزلن إلى الماء بثيابهن وشمرن عن أذرعتهن، ووسط ضحكاتهن العالية أخذن ينحنين لالتقاط الأسماك دون عراك، وكن يساعدن بعضهن البعض، وخرجن، وقد امتلأت أجسادهن بالماء الملوث بالطحالب، والمرأة العجوز تسير بخطى سريعة حاملة أسماكها التى ستسد جوع أهل بيتها، ومن بعيد رأت الرجل يرحل مبتعدًا عنها، ووراءه كان يسير موكب القطط والكلاب المخدرة، تتشمم رائحة مازالت تغشى أنوفها.