توقيت القاهرة المحلي 10:24:54 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«بيزنس» الإيجابية ومصلحة التطوير

  مصر اليوم -

«بيزنس» الإيجابية ومصلحة التطوير

بقلم:مشاري الذايدي

قال المعرّي قبل نحو ألف ومائة عام:

تعبٌ كُلّها الحياةُ فمَا

أعجبُ إلاّ مِن راغبٍ في ازديادِ

واليوم مع تفشّي النزعة الفردية، والسباق المحموم في سوق العمل والتنافس القاتل على البروز وإثبات الذات أو تسويقها، صارت تكلفة «تطوير الذات» عالية، وصار الفرد مادّة مشروع للتطوير والتحسين المستمر، وليس قطعة من كيان أكبر، ولمحة من لوحة أضخم، وجزءاً من سياق عام.

مع هذا المناخ تجذّرت صناعة ما يُعرف بالمدرّب الذاتي، أو «اللايف كوتشز»، وصارت هذه الصناعة غير منحصرة في مشكلة عابرة (أزمة زوجية وطلاق مثلاً) بل شرط من شروط تأهيل الفرد للارتقاء الوظيفي والحياتي بصفة عامة، وصارت الشركات بل حتى أندية كرة القدم تجلب ما يُعرف بالمطّور الذاتي... بالتالي صارت هي بدورها وظيفة و«بيزنس»! عن هذا قرأتُ تحقيقاً جميلاً لجوي سليم على منصّة «بي بي سي».

نقلت فيه عن عالمة الاجتماع الفرنسية المغربية إيفا إيلوز شرح هذا التحول ضمن ما تسميه «الرأسمالية العاطفية»، حيث تتداخل لغة الاقتصاد مع لغة المشاعر. بالنسبة لإيلوز في كتابها «السلع العاطفية» (2019)، ما يفعله خطاب التنمية الذاتية هو تحويل الشعور بالألم إلى «مشكلة إدارية».

الكل صار يعتمد هذا الأسلوب و«يؤمن» بهذه الطريقة، الطريقة هنا تعني أيضاً المعنى الصوفي المعروف... بل تحّول الوعّاظ الأصوليون اليوم - بدورهم - في السياق المسيحي إلى ما يشبه ذلك وصاروا «يتصرّفون كمديرين ومدرّبي تحفيز، يعلنون إنجيل الإنجاز غير المحدود والتحسين الدائم».

المشكلات القديمة المُعتادة ضمن «تكاليف الحياة» المعروفة مثل الشعور بالضيق من الحاجة أو غلبة فئة ما على المصالح، والضيق من ذلك، والعمل «الجماعي» على تغييره، كل هذه المُشكلات أعيد تصويرها على أنها مشكلة في إدارة الذات الفردية، وتحفيز العناصر الإيجابية الداخلية. فـ«خطاب تطوير الذات لا يكتفي بدعوة الفرد إلى التأمل في عواطفه، بل يدعوه إلى إدارتها وفق منطق التكلفة والمنفعة».

صار الفرد ناجحاً بمقدار تحويل ذاته إلى «مشروع ناجح»، وإن الغلط كل الغلط يبدأ من عدم تطوير الذات، ليس بغرض معرفة الذات لنفسها و«التواضع» ومعرفة أن ليس كل شيء نابعاً من إرادتك الفردية، بل أنت لك حدود في النهاية.

مشكلة هذه الفلسفة الجديدة، فلسفة «علم النفس الإيجابي» التي نبعت من أميركا في الأساس، كما جاء في التحقيق، هي أنها «تُدخل المشاعر في فضاء الحساب، ويُعاد تشكيل الذات بوصفها مشروعاً ينبغي تحسينه باستمرار».

سؤال بسيط: هل «العمل على الذات» يهدف إلى توسيع حدود الأنا باستمرار - وهذا مُتعب مهلكٌ - أم إلى تعلّم حدودها؟

المشكلة أن هذه الصناعة التي تجعل الإيجابية «عبادة» واجبة، تجعل كل القدرات الفردية سواسية وإن لم تصل لهذا المستوى المعياري، فأنت تعاني من نقص لم تكمله، بسبب خور عزيمتك وجهلك العاطفي... والمستفيد أرباب هذه الصناعة وشركات العلاقات والتدريب ومستشارو تطوير الذات وجيوش «اللايف كوتشز».

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«بيزنس» الإيجابية ومصلحة التطوير «بيزنس» الإيجابية ومصلحة التطوير



GMT 07:51 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

الصخب والعتم

GMT 07:47 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

يوم التأسيس... السعودية وفضيلة الاستقرار

GMT 07:46 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

قصة جزيرتين... من إبستين إلى فلسطين

GMT 07:44 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

دور تطوير حقل «غزة مارين» في إعادة إعمار قطاع غزة

GMT 07:42 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

بريطانيا... القضاء في مواجهة الحكومة

GMT 07:41 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

عن مخاطر انتخابات تفتقر للعدالة!

GMT 07:38 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

السؤال البديهي

GMT 07:35 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

التعليم بزيادة سنة

ميريام فارس تخطف الأنظار بإطلالات ملكية في الرياض

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 08:30 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

استعدي لرمضان بخطة تنظيف المنزل الشاملة
  مصر اليوم - استعدي لرمضان بخطة تنظيف المنزل الشاملة

GMT 08:36 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

التمر خيار الإفطار الأمثل لتعويض الجسم بعد الصيام
  مصر اليوم - التمر خيار الإفطار الأمثل لتعويض الجسم بعد الصيام

GMT 22:37 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:36 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:39 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 10:39 2021 الخميس ,27 أيار / مايو

أسعار النفط تتجه إلى المنطقة الحمراء

GMT 20:34 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

التفاصيل الكاملة لذبح "عريس عين شمس" على يد 22 بلطجيًّا

GMT 04:49 2019 الخميس ,13 حزيران / يونيو

موجة من صيحات الموضة يشهدها موسم ربيع وصيف 2019

GMT 13:48 2021 الخميس ,15 إبريل / نيسان

التنانير الطويلة موضة في عروض الأزياء العصرية

GMT 22:31 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 07:06 2025 الجمعة ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

مرسيدس EQS موديل 2025 سيدان كهربائية فاخرة بتصميم أنيق

GMT 07:32 2024 الثلاثاء ,09 كانون الثاني / يناير

محمد صلاح يتصدر التشكيل المثالي في الدوري الإنكليزي

GMT 20:14 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

أنغام تطرح أغنيتها الجديدة "ونفضل نرقص "
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt