توقيت القاهرة المحلي 03:19:16 آخر تحديث
  مصر اليوم -

يوم التأسيس... السعودية وفضيلة الاستقرار

  مصر اليوم -

يوم التأسيس السعودية وفضيلة الاستقرار

بقلم : يوسف الديني

ليست كل الأمم تُولد من الثورة، ولا كل الدول تنشأ من الصراع. بعض الأمم تتشكّل من لحظة أعمق: لحظة إدراك جماعي أن الاستقرار ليس مجرد حالة سياسية، بل شرط للوجود نفسه. هنا تبدأ قصة الدولة السعودية منذ عام 1727، لا بوصفها حدثاً عابراً في تاريخ الجزيرة العربية، بل بوصفها نقطة تحول في مفهوم الاجتماع السياسي فيها، حيث بدأت تتشكّل البلاد حول فكرة الدولة قبل أن تتشكل حول الحدود.

فالجزيرة العربية لم تكن أرضاً بلا تاريخ، بل موغلة في القدم، متشابكة مع طرق التجارة والحج ومراكز العلم. لكنها عاشت قروناً طويلة في نظام اجتماعي تقليدي تقوم وحدته على القبيلة أكثر من الدولة، وكان الأمن هشّاً والاقتصاد متقلّباً. في هذا السياق لم يكن قيام الدولة السعودية الأولى مجرد انتقال في الحكم، بل انتقال في معنى الاجتماع ذاته: من تحالفات متفرقة إلى كيان سياسي مستقر.

هنا يظهر الإمام محمد بن سعود بوصفه أكثر من أمير محلي؛ يظهر بصفته مهندساً سياسياً أدرك مبكراً أن الاستقرار لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بمنظومة من الثقة والشرعية والتنظيم. لقد ورث إمارة مضطربة، لكنه نجح في توحيد الداخل، وتهدئة الصراعات، وبناء أسس حكم مستقر. وفي تلك اللحظة بدأت الدرعية تتحول من مدينة إلى نموذج دولة، ومن سلطة محلية إلى مشروع سياسي مستقل في بيئة إقليمية شديدة التنافس.

ومن هذا التحول بدأت تتشكّل بذور الأمة السعودية، فالأمم لا تُبنى فقط باللغة أو النسب، بل حين يشعر الناس أن الدولة تحميهم وتمنحهم أفقاً مشتركاً. ومع توسّع الدولة السعودية الأولى لم يكن ما جذب المجتمعات إليها القوة فقط، بل قدرتها على توفير الأمن وتنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية. هكذا بدأ يتشكّل مفهوم مبكر للمواطنة، علاقة ولاء متبادل بين الدولة والمجتمع، قائمة على أن الاستقرار مصلحة الجميع.

هذه العلاقة هي جوهر العقد الاجتماعي السعودي، وهو عقد يختلف عن نماذج نشأت عبر الصراع مع الدولة؛ ففي التجربة السعودية لم تكن الدولة خصم المجتمع، بل مشروعه، ولم يكن المجتمع تابعاً لها، بل كان شريكاً في تثبيت شرعيتها. ومن هذا التوازن نشأت واحدة من أكثر التجارب السياسية استقراراً في المنطقة، دولة قامت على التراكم والثقة لا على الانفجار التاريخي.

خصوصية السعودية لا تكمن فقط في عمرها الممتد ثلاثة قرون، بل في أنها حافظت على استقلالها وسيادتها طوال هذا المسار، ولم تخضع لاستعمار مباشر كما حدث في أجزاء واسعة من العالم العربي. هذه الاستمرارية ليست صدفة جغرافية، بل نتيجة قوة العقد الاجتماعي الذي ربط المجتمع بالدولة، وجعل الاستقرار قيمة وطنية مشتركة.

وإذا كان الاستقرار في بعض التجارب يعني الجمود، فإنه في السعودية كان شرط التطور. فمن الدولة الأولى إلى مشروع التوحيد، ثم إلى الدولة الحديثة ومؤسساتها، ظل الخيط الناظم واحداً: الحفاظ على الدولة بصفتها الضامن للوحدة والسيادة. واليوم حين تعيد المملكة صياغة مستقبلها عبر رؤية طموحة، فإنها تنطلق من ذاكرة سياسية واجتماعية ممتدة ثلاثة قرون تؤكد أن الاستقرار ليس نقيض التغيير بل أساسه.

وقد نجحت الدولة السعودية عبر تاريخها في استيعاب التنوع داخل إطار الوحدة، فالمجتمع السعودي لم يكن كتلة واحدة متجانسة، بل فسيفساء من المناطق والتقاليد والخبرات، لكن فكرة المواطنة استطاعت أن تجمعه من دون أن تلغي خصوصياته. وهكذا تشكّلت الأمة السعودية لا بوصفها شعاراً سياسياً، بل بصفتها تجربة تاريخية في التعايش والاستقرار.

إن الاحتفال بيوم التأسيس ليس استدعاءً للماضي فقط، بل تذكير بأن الدولة السعودية بُنيت بعلاقة طويلة بين القيادة والمجتمع، علاقة جعلت المواطن يرى في استقرار دولته امتداداً لاستقراره، وترى الدولة في مواطنيها رأسمالها الأهم. ولهذا لم يكن السعوديون مجرد متلقين للاستقرار، بل شركاء في صناعته، حافظوا عليه عبر التحولات الكبرى، ووعوا أن الدولة ليست كياناً فوق المجتمع، بل تعبير عنه وضامن لمستقبله.

واليوم تتجلَّى هذه الشراكة بصورة عضوية في «مشروع الرؤية» التي لم تنطلق بوصفها خطة اقتصادية فحسب، بل تُعدّ تعبيراً حديثاً عن العقد الاجتماعي السعودي، فهي تستثمر في الإنسان السعودي، وتعزز الهوية الوطنية، وتؤكد أن قوة الدولة تبدأ من قوة مجتمعها وثقته بنفسه.

وفي محيط إقليمي لا تزال تعصف به الأزمات، أثبت السعوديون أنهم في مقدمة الركب للدفاع عن فضيلة الاستقرار التي صاغت تاريخهم. لم يكن ذلك دفاعاً عن وضع قائم، بل عن تجربة ممتدة ثلاثة قرون دفعت أثمانها في محطات عديدة، ورسخت قناعة بأن الاستقرار ليس ترفاً سياسياً، بل شرط الازدهار وعماد السيادة.

وهكذا يبدو يوم التأسيس، الذي سيحل علينا بعد أيام، أكثر من ذكرى؛ إنه وعي متجدد بأن الأمة السعودية لم تتشكل صدفة، بل عبر لحمة فريدة في نوعها بين القيادة والمجتمع، تلك اللحمة لا تزال اليوم تصوغ طموح المستقبل. فكما صنعت الدرعية قبل ثلاثة قرون فكرة الدولة، يصوغ السعوديون اليوم فكرتهم الصلبة عن الوطنية الحقة: دولة مستقلة، ومجتمع متماسك، واستقرار يُستثمر لصناعة الغد.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

يوم التأسيس السعودية وفضيلة الاستقرار يوم التأسيس السعودية وفضيلة الاستقرار



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt