توقيت القاهرة المحلي 09:14:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إسرائيل تحب الاتفاقات الغامضة

  مصر اليوم -

إسرائيل تحب الاتفاقات الغامضة

بقلم:سوسن الأبطح

يحب الرئيس الأميركي الأجواء الاحتفالية، والنكتة، والتمرد على البروتوكولات الدبلوماسية التقليدية، وهذا سهّل عليه التوصل إلى اتفاق سلام، احتفى به العالم، مع أنه في الحقيقة ليس أكثر من فض اشتباك ووقف إطلاق نارٍ هشٍّ، ببنود ضبابية، كل منها يمكن أن يفتح أبواب الجحيم على أهل غزة. دونالد ترمب لم يستخدم عبارة «حلّ الدولتين» مرة واحدة في خطابَيه الطويلين في تل أبيب وشرم الشيخ، كما تهرّب من الإجابة حينما طُرح عليه السؤال في طائرة العودة، مكتفياً بالقول: «لا نتحدث عن دولة أو دولتين، وإنما إعمار غزة». والرئيس نفسه رأى، الشهر الماضي، أن الاعتراف بدولة فلسطينية «جائزة لحماس».

حسناً، يقال إن هذا جزء من دهاء الرجل، وحنكته في حلّ المعضلات، خطوة بعد أخرى، وأنه لو فتح باب المفاوضات على مصراعيه، لاستمرت المجزرة لسنوات.

الأولوية في المرحلة الأولى لإنقاذ الأرواح ووقف الإبادة، وتبادل الأسرى والمحتجزين، لكنَّ المرحلة الثانية هي الجزء المفخَّخ سلفاً. إذ كيف ستحدَّد آلية حكم غزة؟ ما صلاحيات القوة متعددة الجنسية؟ وكيف سيُنزع سلاح «حماس»؟ مَن الجهة التي تقرِّر مَن يخرق الاتفاق، في غياب جهة حيادية؟ يقول لك ترمب من اليوم الأول: «إن إسرائيل ستستأنف القتال بمجرد كلمة مني». علماً أنها لم تلتزم بوقف النار، ولا تزال تقصف، ولا من يحاسب! سلوك يشي بأن الموت مستمر لكن بالتقسيط هذه المرة. ولإسرائيل ذرائع، لا يهم أن تكون مقنعة لأحد.

ببالغ الحبور، أعلن ترمب «نهاية عصر الرعب، وبداية عصر الأمل، وبزوغ فجر تاريخي لشرق أوسط جديد»، مع أن الاتفاق ذا البنود العشرين أشبهُ بإعلان مبادئ ملتبس؛ لا وضوح ولا ضمانة، إلا شخص ترمب نفسه الذي عدَّه «أعظم صفقة في حياته على الإطلاق»، ربما لأن أحد ثماره قد تكون جائزة نوبل للسلام المنشودة العام المقبل.

أعلن ترمب أن «إسرائيل حققت انتصاراً لا يصدَّق» بفضل السلاح الأميركي المذهل، الذي عرفت كيف تستخدمه، والمقبل هو «سلام» سيفرَض بالقوة، ويجلب الازدهار الاقتصادي، من دون أي ذكر لكلمة «عدالة»، أو «حقوق»، أو «كرامة»، مما يتماشى مع سلوكيات إسرائيل وتصريحات وزرائها حول حقهم الإلهي في إسرائيل متمددة، مسيطرة.

قد لا تكون مصادفة أن يأتي اتفاق غزة في رماديته، شبيهاً، إلى حد بعيد بالاتفاق مع لبنان، الذي لا يزال الخلاف فيه قائماً على نزع سلاح «حزب الله»، وأيهما أول؛ البيضة أم الدجاجة؟ وهل تنسحب إسرائيل قبلاً أو يسلَّم السلاح، ومَن الذي ينزعه؟ وكيف؟ وإسرائيل حسب «هيومن رايتس ووتش» خرقت وقف إطلاق النار 4500 مرة في لبنان خلال أقل من عام، ولم تنسحب كما هو متفق عليه، وبقيت محتفظة بخمس نقاط في الأراضي اللبنانية، رغم الطلب المتكرر من الحكومة اللبنانية بإخلائها.

في غزة غموض مشابه يسود بنود الاتفاق. الإشارات تدل على أن نتنياهو يعنيه أن تبقى الجبهات جاهزة للإشعال متى اقتضت مصلحته ذلك. في سوريا التوغلات متواصلة، والقصف كذلك. في لبنان بحجة ضرب «حزب الله» يُقتل أطفال وتدمَّر منشآت، وهذه ليست أخطاء تقنية، بل تكتيكات لقهر الأهالي وحثهم على ترك أراضيهم.

في غزة إسرائيل تحتل نصف القطاع، وتُرك لـ«حماس» مسؤولية حفظ الأمن، على أن تسلِّم سلاحها خلال «فترة زمنية معقولة». فما المعقول؟ ومَن يحدِّده؟ مسؤولون في «حماس» عدّوا سلاحهم غير قابل للتفاوض. بينما ترمب يقول إنهم وافقوا و«إذا لم ينزعوا سلاحهم فسوف ننزعه بسرعة وبعنف». إنما من الذي يتكفل بمهمة عجزت عنها إسرائيل طوال سنتين؟

هكذا سيكون بوسع إسرائيل أن تجد الذرائع، لتغلق المعبر متى تشاء، وتجوّع متى تريد، وتقصف لحظة تشتهي من دون حساب.

اتفاق كسيح، ترمب فيه هو الخصم والحكم. صديق إسرائيل الأكبر، يملك حق ملء السطور الناقصة والكلمات المحذوفة، فيعطي رخصاً سخية لشريكه نتنياهو.

شخصنة العلاقات الدولية، ودخول المصالح المالية والاستثمارات على خط قضايا تتشابك فيها أرواح الناس مع دسائس المقاولين، وشهوات الاحتلال، هي من اللعنات الكبرى.

إن الخطوط الأولى للسلام الموعود مبهمة وملتبسة، تجعلك ترى احتمال أن تبقى غزة في دائرة القصف المتقطع والتهديد المتواصل، أقرب إلى المنطق. وهو حال كل الجبهات المحيطة بإسرائيل التي تضمر وتعلن جهاراً، رغبتها في التوسع، وتنفيذ مشاريع القضم والضم والاستيطان والسيطرة، من دون كابح.

ومن أدرى بهذه النوازع الشريرة لإسرائيل أكثر من رئيسها السابق إيهود أولمرت، الذي رغم إعجابه بما أنجزه ترمب، فإنه متأكد من أن غياب الرغبة في حلّ يعترف بالحقوق المتبادلة لشعبين في دولتين ستكون نهايته العودة إلى القتال. وهذا أمر فظيع. إذ يقدَّر ما ألقته إسرائيل على غزة التي مساحتها 365 كيلومتراً فقط، خلال سنتين من حرب الإبادة، بأكثر من مائة ألف طن من المتفجرات. أي أضعاف ما أُلقي على هيروشيما التي لا تزال أكبر أمثولة للتغول الإجرامي، في مخيلة البشرية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إسرائيل تحب الاتفاقات الغامضة إسرائيل تحب الاتفاقات الغامضة



GMT 09:56 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ردّة أخلاقية

GMT 09:55 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

أميركا... ثقافة قديمة وعادية

GMT 09:53 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عن الحالتين الفلسطينية والسودانية

GMT 09:52 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... جولة جنوبية للطمأنة

GMT 09:50 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

GMT 09:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... المطلوب إصلاح جذري قبل الانتخابات

GMT 09:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:30 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

سوسن بدر تكشف تفاصيل إصابتها بكسر في الفخذ
  مصر اليوم - سوسن بدر تكشف تفاصيل إصابتها بكسر في الفخذ

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt