توقيت القاهرة المحلي 11:39:19 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ناصر والقذافي وبورقيبة

  مصر اليوم -

ناصر والقذافي وبورقيبة

بقلم : عبد الرحمن شلقم

تناقلت وسائلُ الإعلام العربية مؤخراً، نصَّ المكالمةِ الهاتفية بين الراحلين جمال عبد الناصر والعقيد معمر القذافي. في البداية شكَّك الكثيرون في صحة المكالمة، ولكن ابن عبد الناصر وبنته أكَّدا صحتها، فبُهت المشككون، وبدأت المنازلة بين المادحين والقادحين لجمال عبد الناصر، الذين تملكتهم عقدة المؤامرة، وذهبوا إلى أنَّ نشر المكالمة بين الراحلين جمال ومعمر، له غايات سياسية. في هذا الخضم من التراشق بالكلمات، التي استطالت فيها الأصوات واستدارت، وطفح صِدام الاصطفاف بين جحافل المدح والهجاء. المكالمة كانت في زمن لم تجفّ فيه الدماء، ولم ينقشع فيه غبار الانكسار وحرقة الهزيمة. تكلم الزعيم الرمز جمال عبد الناصر بلسان نبت فيه شَعرٌ أبيضُ، وغشته ثقوبُ الشدائد. بعدمَا كان يجلد بسوط ذلك اللسان الشاب الأشقاء الأعداء، ويضرب بأجراسِه العدوَّ الإسرائيلي ومن ورائه الإمبريالية.

الفيلسوف الهولندي الكبير باروخ سبينوزا قال: «علينا أن نتعلم أولاً كيف نفهم»، عندما كان يخوض معركة العقل مع المنغلقين، في الطائفة اليهودية بهولندا، الذين كفَّروه وحكموا عليه بالخروج من اليهودية؛ ما دفع بشاب متزمت، إلى الهجوم عليه محاولاً قتله. ما قاله عبد الناصر كان آهة حكمة بلسان فارس هزيل. زعيم قضى بستانَ عمره في معارك عسكرية وسياسية، وقودها وسلاحها جبال إصرار، وأهدافها وميض أحلام، طافت أمواجها بين المحيط والخليج العربيين، تهتف بتحرير فلسطين ووحدة العرب. تبخَّرتِ الوحدة بين مصر وسوريا في سراب الانقلابات، وجثمتِ الهزيمة على حلم تحرير فلسطين. لحق جمال عبد الناصر المصارع الآمل المنكسر، بالفارس المحبط الشاعر أبي الطيب المتنبي القائل في رحلة الوهن والقعود:

تعوَّدَ أن يغَبَّرَ في السرايا

ويدخلُ من قَتامِ في قتامِ

فأُمسك لا يُطالُ له فيرعى

ولا هو في العليقِ ولا اللجامِ

كانت بدايات عبد الناصر المبكرة، قتاله في حرب فلسطين، التي ذاق فيها مرارة الحصار، وانتهت بالهزيمة واحتلال فلسطين. ثم هبَّت رياح المعارك السياسية والوطنية، بعد قيادته الثورة المصرية، وتأميمه قناة السويس، حيث واجه جيوشاً ثلاثة، إلى تجربة الوحدة مع سوريا، حيث تجرَّع كأس الفشل. حرب اليمن التي دخلها يدفعه حلم وأمل، تاها في جبال اليمن. وقف جمال عبد الناصر على حلبة منازلته مع الزمنين العربي والعالمي، وفي يديه قُفَّازان من حلم وإصرار. فاز في بعضها بالنقاط السياسية، لكن الضربة القاصمة القاضية، كانت كالصاعقة التي أطاحته والحلبة. في يوم الخامس من يونيو (حزيران) سنة 1967، قُرع ناقوسُ زلزال الزمن الرهيب. هزيمة أحرقت كلَّ ما زرعه جمال عبد الناصر، في بستانه على مدى سنين ورواه بصوت لسانه المجلجل، ودماء المقاتلين المصريين وثروة مصر. في أيام معدودة احتلت إسرائيل مساحة من الأراضي العربية تفوق مساحتها مرات ومرات، بعد هزيمتها ثلاثة جيوش عربية في ستة أيام. كأي قائد كتبت الأيام في صفحة عقله، حروفها الحادة الحارة، كان عليه أن يقرأ تلك الصفحة بعين الواقع، على ضوء مسؤوليته الوطنية الثقيلة. جروح القائد هي جروح الوطن كله، تغوص في كامل جسده. ما جاء على لسان عبد الناصر في مكالمته مع العقيد معمر القذافي، كان بوح الجروح العميقة، التي لم توفّر موضعاً في جسد الرئيس والوطن المصري. مرة أخرى يئن عبد الناصر مع الشاعر جريح الزمن، أبو الطيب المتنبي عندما قال:

رماني الدهرُ بالأرزاءِ حتى

فؤادي في غشاءٍ من نبالِ

فصرتُ إذا أصابتني سهامٌ

تكسَّرتِ النِّصالُ على النِّصالِ

أظن، ولا أقول أعتقد، أن ما قاله جمال عبد الناصر في مكالمته مع العقيد معمر القذافي، يستحق أن نقرأه بموضوعية، بعيداً عن منهج الاصطفاف والمدح والقدح، في منطقتنا التي لم يهجرها الصراع المزمن. ما قاله عبد الناصر، كان عصارة العصارة لما أنتجته ثِمار مرحلة طويلة من الزمن العربي. خلافات عربية بين من وصفوا أنفسهم بالثوريين التقدميين، والدول التي أطلقوا عليها الرجعية؛ ما كرس انشقاقاً وأجَّج العداوة. تفكير الشعارات المهيج عبر وسائل الإعلام، الذي رفع سقف الحلم بين عامة الناس، وانقطعت خيوط تبادل الأفكار بين القادة، وهيمنت المزايدات الصوتية الإعلامية، التي طغت على صوت العقل السياسي الواقعي. أسوق الآن واقعتين موثقتين، أولاهما لقاء الرئيسين الراحلين التونسي الحبيب بورقيبة والمصري جمال عبد الناصر. في سنة 1964، عقدت القمة العربية بالقاهرة. التقى الرئيسان في جلسة ثنائية مغلقة. قال بورقيبة لعبد الناصر أنت الآن لك مكانتك الدولية، ويمكنك أن تدعو إلى تنفيذ قرار الأمم المتحدة رقم 181، وأن نقيم دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة، وبعد ذلك نطالب بالمزيد. لم يعترض عبد الناصر. بعدها زار بورقيبة مدينة أريحا، بالضفة الغربية وطرح مبادرته. رماه الجمهور بالحجارة والبيض الفاسد، وشنَّ عليه الإعلام المصري حملة عاصفة، ووصفه بالرجعى الخائن. في سنة 1972، ألقى معمر القذافي كلمة في تونس، دعا فيها إلى الوحدة بين ليبيا وتونس، هرع بورقيبة إلى المكان وألقى كلمة طويلة، خلاصتها أنَّ العرب في حاجة إلى العلم والسياسة الواقعية، وقال للقذافي: «أنت تعادي أميركا! تعطيك طريحة، (أي ضربة عنيفة)». ماذا لو ساد العقل السياسي؟» بورقيبة عرف العالم، وبنى أمة حديثة. جمال عبد الناصر قال كلماته العصارة الأخيرة، قبيل الرحيل بأيام.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ناصر والقذافي وبورقيبة ناصر والقذافي وبورقيبة



GMT 07:25 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

السيدة الأمينة

GMT 07:23 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

إمَّا دينغ وإمَّا غورباتشوف

GMT 07:21 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

الصومال وإسرائيل والبحر العتيق

GMT 07:19 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

فنزويلا الغنيَّة... فرز الدّعاية من الحقيقة

GMT 07:17 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

الشرق الأوسط... أمن بلا سياسة

GMT 07:14 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

متحف حُبّ يحمل اسم فاروق حسني

GMT 07:02 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

جديد ترمب في موقعة فنزويلا

GMT 06:59 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

«الفيلسوفة الطفلة».. بقلم الدكتور «مراد وهبة»

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 02:53 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

بيومي فؤاد يعتذر لمحمد سلام ويتمنى عودته القوية للفن
  مصر اليوم - بيومي فؤاد يعتذر لمحمد سلام ويتمنى عودته القوية للفن

GMT 18:29 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

ساناي تاكايتشي تدرس الدعوة إلى انتخابات مبكرة
  مصر اليوم - ساناي تاكايتشي تدرس الدعوة إلى انتخابات مبكرة

GMT 13:29 2017 الخميس ,06 إبريل / نيسان

فوائد زيت الزيتون للعناية بالبشرة

GMT 06:16 2025 الجمعة ,21 شباط / فبراير

بسمة وهبة تعود في رمضان 2025 بمفاجآت لا تُصدق

GMT 15:26 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

وكالة "الأونروا" تحذر من خطورة وضعها المالي

GMT 18:12 2021 الإثنين ,04 كانون الثاني / يناير

مدافع الأهلي رامي ربيعة يعلن تعافيه من فيروس كورونا

GMT 22:16 2020 الإثنين ,21 كانون الأول / ديسمبر

4 إصابات جديدة بـ كورونا تضرب النادي الأهلي

GMT 08:11 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير الأهلي تدعم رامي ربيعة قبل نهائي دوري أبطال إفريقيا

GMT 03:24 2020 الجمعة ,25 أيلول / سبتمبر

22 سفينة إجمالى الحركة بموانئ بورسعيد

GMT 20:09 2018 الخميس ,11 تشرين الأول / أكتوبر

عماد متعب يعترف بفضل زوجته يارا نعوم على الهواء

GMT 02:54 2017 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

أميرة هاني تُعبّر عن فرحتها بالعمل مع النجمة عبلة كامل

GMT 06:40 2023 الإثنين ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

حسين لبيب يستقبل النقيب العام لنقابة المهن الرياضية

GMT 11:09 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

تويوتا تعلن تفاصيل وطرازات البيك أب تندرا 2022
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt