توقيت القاهرة المحلي 06:53:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الصادق النيهوم ينجو من معارك أشعلها

  مصر اليوم -

الصادق النيهوم ينجو من معارك أشعلها

بقلم : عبد الرحمن شلقم

الصادق النيهوم بدأ حياته في بيت قديم بسوق الحشيش في مدينة بنغازي. عندما كانت ليبيا تعاني وطأة الاستعمار الفاشي الإيطالي. انجذب مبكراً إلى قبس الكلمة. ضرب بقبضة يد يلفّها قفاز نسجه من لغة سكب فيها أفكاراً تهاجم الموروث المعتاد. ضرب على أبواب غرف عقول تمدد فيها الليبيون عقوداً طويلة من دون أن تطولها كوابيس الاقتراب من موروثات تكدَّست في الوعي واللاوعي المجتمعي. تحولت مقالاته بصحيفة «الحقيقة» التي تصدر في مدينة بنغازي، مطرقةً يُقرأ صوتها في كل أرجاء البلاد. درس من المرحلة الابتدائية إلى الجامعة على أساتذة كبار من مصر والشام، منهم ناصر الأسد، ومحمد عبد الهادي أبو ريدة والأستاذ الشاعر علي محمد أحمد.

في جامعة بنغازي برزت شخصية الطالب الصادق النيهوم بلباسه الشبابي البسيط غير المعتاد، وأفكاره الجريئة في كل ما يُطرح في الأدب والفلسفة واللغة والتاريخ. نال الاهتمام والاحترام بين أساتذته وزملائه، وباشر في الكتابة الصحافية.

بعد تخرجه في كلية الآداب ببنغازي توجه إلى ألمانيا لدراسة فقه اللغة بمعهد غوته. لم يستطع الاندماج في المجتمع الألماني، فانتقل إلى جامعة القاهرة لمواصلة دراسة فقه اللغة، لكنه غادرها متوجهاً إلى اسكندنافيا واستقرَّ بها وتزوج بفتاة منها. أينما حلَّ كان قدّاحة نقاش، ومثاراً لاهتمام من اتفق معه أو اختلف. في فنلندا، بلد الثلوج والحرية والثقافة، بدأ الصادق يغوص من بعيد فيما تراكم على المجتمع الليبي من غبار موروث، وشرع في نشر مقالاته في صحيفة «الحقيقة». منحه صاحبها ورئيس تحريرها محمد بشير الهوني وشقيقه رشاد الهوني مساحة حرية شاسعة.

اقتحم النيهوم منطقة صلبة، لم يقترب منها أحد قبله في ليبيا. التدين الشعبي الذي يعبّر عنه باللهجة الليبية (الفقي)، وهو غير (الفقيه). الأول هو المدرس الذي يعلّم الصغار القرآن الكريم في الكتاتيب، ويضربهم بالفلكة، ويكتب الأحجبة للنساء، ويتعامل مع السحر والجان... إلخ، وكذلك خطباء المساجد الذين يعيدون كل جمعة ما قيل منذ قرون غبرت. اجترح لغة تمتزج فيها البساطة التعبيرية، وتقتبس من اللهجة الليبية المحكية في برقة، التي تمتاز بقفشات تجمع بين السلاسة الساخرة والتعجب. بدأت مقالاته تسطع على صفحات جريدة «الحقيقة»، وارتفع عدد قرائها وتوزيعها في كل أنحاء البلاد.

تحولت سطور مقالاته قذائفَ مدفعية تدكُّ ما كان من المحرَّم الاقتراب منه، بسلسلة مقالات بعنوان «الرمز في القرآن». قدّم الصادق النيهوم لما يمكن أن نسميه مشروعه الجريء في تفسير القرآن، الذي ركّز على دراسة الرمز في الآيات القرآنية، مستعيناً بالمراجع والقواميس العربية والأجنبية، والتفسيرات العربية المعتمدة للقرآن، التي اعتمد عليها في طرح رؤيته. بدأ النيهوم من سورة الكهف بهذه الآية: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً) الكهف 25. وطرح السؤال: هل نام أصحاب الكهف ثلاثة قرون حقاً؟ أجاب بأن ليس ثمة شك أن المرء يستطيع أن يعتمد الإجابة، باعتبار أن المعجزة ظاهرة في معظم الديانات، وأن الله على كل شيء قدير، ولكن أليس ثمة طريق آخر؟ ويضيف، أنا سأفترض أن القصة بأسرها حادثة رمزية تهدف في الظاهر إلى الحديث عن بضعة من القديسين المطاردين في الجبال، وتهدف في الواقع إلى الحديث عن تاريخ المسيحية ذاتها، وهذا طريقي إلى ذلك الافتراض.

تناول في مقالاته عن الرمز في القرآن تاريخ ميلاد السيد المسيح، وتطور الديانة المسيحية عبر التاريخ. من أصحاب الكهف انتقل النيهوم إلى ذي القرنين، وطاف بين التفسيرات المختلفة التي وردت عنه. سورة الكهف وجد فيها ما يهبه فسحة يتفاعل فيها مع عنوان مشروعه، وهو «الرمز في القرآن».

ينتقل بعد ذلك إلى سورة آل عمران، ويسهب في الحديث عن السيدة مريم وطفولتها. يذهب إلى أن القرآن يروي قصة مريم في تتابع تاريخي واضح داخل النص نفسه، فيبدأ بقصة ميلادها ودخولها المعبد وكفالة زكريا لها، وتبشيرها بعيسى، وما أضافه على القصة من تأويلات.

بدأ القصف المضاد ضد ما ساقه النيهوم في رموزه. ردود عنيفة من الكتّاب والصحافيين ورجال الدين ومن الجامعة الإسلامية. أُجريت مقابلات إذاعية وصحافية معه، دافع فيها بكل ثقة وهدوء عما كتبه.

ما نقف عنده اليوم، أن الصادق النيهوم لم يُكفَّر أو يُفسَّق. ظلَّ يمشي في بنغازي وطرابلس حراً بقبقابه الخشبي، يحييه الشباب المعجبون بنجمهم، ويشارك في الملتقيات الوطنية والمغاربية. ماذا كان سيكون مصيره لو كتب ما كتب اليوم؟ أيكون مثلما لاقاه المفكر المصري فرج فودة والمفكر السوداني محمود محمد طه؟ كل ما حدث كان إيقاف صاحب «الحقيقة» محمد بشير الهوني لتلك السلسلة من المقالات.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الصادق النيهوم ينجو من معارك أشعلها الصادق النيهوم ينجو من معارك أشعلها



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt