توقيت القاهرة المحلي 11:29:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

العَلمَانية... كلمة الجدل السائلة

  مصر اليوم -

العَلمَانية كلمة الجدل السائلة

بقلم : عبد الرحمن شلقم

طلقات الكلمات، في معركة البحث عن وصفات للخروج، من ربقة التخلف والارتباك، التي تعيشها بعض البلدان في المنطقة، لها أصوات ترتفع من حين إلى آخر. مفكرون ومثقفون وصحافيون، يلهجون بكلمات عبر وسائل الإعلام المختلفة، ويقدّمونها على أنها الحبة السوداء السحرية، الشافية لكل ما تعانيه الشعوب من وهن وتخلف. تراجعت صرخات الشعارات، وغابت ثورات الأحلام. لكن الصخب الجدلي، لا يغيب في ألسنة تغرد بما يتزاحم في الأفواه من أطروحات ونظريات وجدل لا ينقطع. الدين كانت له مساحة واسعة وما زالت، في سوق البحث عن الرافعة السحرية، إلى أعالي النهوض والتقدم. الإسلام هو الحل. هكذا! كبسولة صغيرة تضعها بعض الأصوات الإسلامية، تحت تجويف حلمها، لتصير في قوس زمن مضغوط، أمة فوق المتفوقين والمتقدمين. صوت آخر يزغرد في أفواه من أطلقت عليهم، صفة المثقفين والمفكرين. العلمانية هي الحل، وتلك كلمة يمكن وصفها، بسائل الحروف المُعبأ في حقنة، تعطى تحت الجلد، فتفعل فعلها بعد وقت قصير. وطيس المبارزة بين الكلمات المعبأة في الأفواه، يحدوه التنابز بالقول والكتابة، وكثيراً ما كان للدم فيه حضور. المتطرفون السلفيون يطلقون على القائلين بالعلمانية، البارود الصوتي الذي قد يتحول، طلقات حية قاتلة. يصفون العلمانيين بالكفرة الملحدين أعداء الدين، في حين يرشحهم العلمانيون بغبار التهم الحارقة، فهم يجرّون الأمة إلى أزمنة كانت ثم غابت، ولا يمتلكون عقولاً لها عيون، ترى ما يرتفع في ساحات الأمم المتقدمة. الدولة وصفاتها ومكوناتها، هي الهوية الأساسية، التي يتعارك المختصمون حولها. هل تكون إسلامية شريعتها وقوانينها تقوم على الدين، أم تُؤسس وفقاً لتشريعات يسنّها الناس عبر ممثليهم، بما يستجيب للإكراهات الحياتية المتغيرة والمتجددة؟

الدولة تكوين سياسي واجتماعي وثقافي واقتصادي، يبنيه شعب واحد مجتمع فوق أرض لها حدودها المعترف بها دولياً، وتديره حكومة يوليها الشعب أمر قيادته، وفقاً قواعد دستورية يرتضيها الجميع. الدولة الحديثة تقوم على ركائز مؤسساتية، تحقق المساواة بين الجميع. المواطنة هي القاعدة القانونية المقدسة في كيان الدولة. كل المواطنين متساوون. لا تفريق بين مواطن وآخر، على أساس الجنس أو العرق أو الدين أو الطبقة. سيادة القانون قوة لا تطولها مصالح الحاكم. في القرون السابقة لم تقم الدولة. كان هناك سلطة مطلقة في يد من يحكم، لا يكبحها كابح. في عهد الإمبراطوريات، كان السلاح وحده من يرسم خطوط حدود الكيانات السياسية. الدولة الحديثة تكوين وُلد في أوروبا في القرن السابع عشر، قبل اتفاقية واستفاليا لم تتخلق الدولة الحديثة، لا في أوروبا ولا في غيرها. الإمبراطوريات كانت سلطات ولم تكن دولاً. من الإمبراطورية الرومانية، إلى الأموية والعباسية والفاطمية والعثمانية وغيرها. في الإمبراطوريات الاستعمارية الحديثة، البريطانية والإسبانية والفرنسية، قامت دول في المركز، لكن مستعمراتها، كانت مساحات تمارس فوقها السلطة الاستعمارية.

اتفاقية واستفاليا الأوروبية التي تم توقيعها في 24 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1648 بمونستر واستفاليا في ألمانيا، أنهت الحرب التي استمرت 30 سنة، بين كيانات أوروبية متصارعة، وكان محركها الأكبر الصراع المذهبي الديني بين المسيحيين. تسببت تلك الحرب في موت الملايين والمجاعة والهجرة الواسعة والدمار. أهم نتائج الاتفاقية، الاعتراف بالمذهب البروتستانتي والكالفيني، إلى جانب المذهب الكاثوليكي، وقاد ذلك الاعتراف إلى إنهاء الصراع الديني، وتم الاتفاق على استرداد الممتلكات البروتستانتية التي استولى عليها الكاثوليك. حق المواطن في اختيار العقيدة التي يريدها، كان نقلة جوهرية طوت صفحة الصراع الديني الدموي. أدى ذلك إلى تراجع سلطة الكنيسة، وتدخل البابا في الشؤون السياسية، الاعتراف بسيادة الدول وتكريس مبدأ المساواة بينها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتأسيس التمثيل الدبلوماسي بين الدول، وتعيين السفراء. أسست هذه الاتفاقية لوضع قواعد الكيانات الوطنية في أوروبا الجديدة. تراجعت حقبة القرون الوسطى، التي تُرسم فيها حدود الكيانات السياسية بقوة السلاح، وجرى وضع قواعد جديدة في العلاقات بين الدول. هل أسست هذه الاتفاقية لما أُطلق عليه، الدولة العلمانية بفصل الدين عن الدولة؟ المعتقد سواء كان ديناً سماوياً، مثل اليهودية والمسيحية والإسلام، أو مجموعة من الحِكم والمأثورات المقدسة، مثل البوذية والكونفوشيوسية، لها فعلها القوي والدائم في عقول البشر وسلوكهم، وتشكل الهويات التي تجمع الساكنة على أرض واحدة، وتصنع الفروقات بين الأمم. لا يمكن فصل الدين عن المجتمع وحياته، ولا يغيب تأثيره عن النشاط الإنساني العام. في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، عبَّأ المرشح الرئاسي دونالد ترمب، قوة الدين في حملته الانتخابية. هاجم المثلية بقوة، وطرح وضع ضوابط للإجهاض، وركز في حملته الانتخابية على القيم المسيحية. في الولايات المتحدة يقسم الرئيس يوم تنصيبه على الإنجيل، ويؤدي الصلاة في الكنيسة قبل دخوله إلى الكونغرس في حفل التنصيب. في الصين الشعبية الشيوعية، تلاشى كتاب ماو تسي تونغ الأحمر، وعادت حِكم كونفوشيوس إلى المجتمع الصيني. بعد الحرب العالمية الثانية برزت الأحزاب الديمقراطية المسيحية في إيطاليا وهولندا وألمانيا في الحياة السياسية. كما تكونون يولّى عليكم. هناك من يذهب إلى أن هذا القول حديث شريف، وهناك من يقول إنه حكمة قيلت قديماً. الدولة تكوين إداري وطني عالٍ، يسمو على الآيديولوجيات والعقائد، لكنه لا يلغيها أو يتجاهل تأثيرها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العَلمَانية كلمة الجدل السائلة العَلمَانية كلمة الجدل السائلة



GMT 09:44 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

GMT 09:42 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

تحديات وقف إطلاق النار

GMT 09:40 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

نيران إسرائيلية صديقة!

GMT 09:38 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

عودة رواد الفضاء

GMT 09:36 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

هولاكو وأمير المؤمنين

GMT 09:35 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

هل ضعفت مناعة لبنان؟

GMT 09:33 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

دائما: مصر تدعم لبنان !

GMT 10:44 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

الحرب وقطاع المنسوجات!

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:37 2023 الجمعة ,03 آذار/ مارس

افتتاح مطعم وجبات خفيفة أثري في إيطاليا

GMT 17:38 2017 الجمعة ,04 آب / أغسطس

قانون للتواصل الاجتماعي

GMT 16:34 2015 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

سيارة Toyota Fortuner 2016 بتصميم مختلف كليًا

GMT 08:58 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

يتحدث هذا اليوم عن مغازلة في محيط عملك

GMT 11:18 2019 الثلاثاء ,20 آب / أغسطس

اهمية تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر

GMT 18:54 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

مدرب الاتحاد السكندري يُغير طريقة اللعب بعد رحيل هاني رمزي

GMT 20:04 2025 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

ماسك يتوقع أن الذكاء الاصطناعي سيجعل سكان العالم أثرياء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt