توقيت القاهرة المحلي 22:42:44 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إصلاح عربي يكبو قبل أن ينطلق

  مصر اليوم -

إصلاح عربي يكبو قبل أن ينطلق

بقلم : عبد الرحمن شلقم

سنة 2004 كانت حلقة في سلسلة الخلافات العربية الساخنة. الولايات المتحدة الأميركية أصيبت بضربة في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) سنة 2001، دفعتها إلى إعادة رسم خريطة علاقاتها مع الدول العربية والإسلامية. وشنت حرباً عنيفة على أفغانستان، حيث يتمركز تنظيم «القاعدة»، الذي نفذ هجمات على أكثر من موقع في الولايات المتحدة، راح ضحيتها الآلاف من المدنيين، وألحقت جرحاً عميقاً بالهيبة الأميركية، وشحن الرأي العام الأميركي بثورة غضب كاسحة. انكبَّ القادة العسكريون والسياسيون والمفكرون، على دراسة ما سمّوه جنون التطرف الإسلامي الإرهابي، المعادي للولايات المتحدة. كانت معركة أفغانستان، الجولة الأولى في سلسلة معارك متحركة، ضد ما أجمع الخبراء في أميركا، ومعهم ثلة كبيرة في أوروبا، على أنه خطر التطرف الإسلامي المسلح على الحضارة الغربية، بجناحيها الأميركي والأوروبي. الهجوم على العراق سنة 2003 كان تحت ذريعة امتلاكه مشروع سلاح نووي، لكنه في الحقيقة كان من ضربات نوبة الغضب الغربي العارم، كرد على هجوم 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة. المُخرَج العام الذي أجمع عليه الخبراء السياسيون والمفكرون ومراكز البحث، هو أن ما حدث في 11 سبتمبر 2001 كان نتاجاً لمنظومة قيم إسلامية متطرفة، وأنظمة سياسية تؤجج الكراهية والعداوة الدينية للغرب المسيحي الرأسمالي، وتعدّه العدو الأكبر للإسلام والمسلمين.

تعرَّض القادة العرب لضغوط أميركية وأوروبية كبيرة في أعقاب أحداث 11 سبتمبر سنة 2001، تهدف إلى ضرورة الانفتاح السياسي في الدول العربية، وتطبيق الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان، ومراجعة المناهج التعليمية.

تقرر عقد القمة العربية في تونس في شهر مارس (آذار) سنة 2004. قبل الشروع في الأعمال التحضيرية للقمة، في اجتماع وزراء الخارجية، ارتفعت أصوات الخلاف بين الأنظمة العربية. بعض القادة اعترض على العنوان، وهو - الإصلاح - وعلَّق البعض بأنه يعني الاعتراف بوجود فساد وانحراف، ناهيك عن المُخرجات المطلوبة من القمة.

بعض الدول طلبت إضافة قرارات أو توصيات وتعديلات، لم تكن مدرجة في جدول الأعمال. تونس المستضيفة للقمة، تقدمت باقتراحات تراها جوهرية بالنسبة للتطوير والتحديث والإصلاح في البلاد العربية، بما يعزز الخطى لتحقيق التقدم الديمقراطي، وحماية حقوق الإنسان وحقوق المرأة، ودور المجتمع المدني. قررت تونس فجأة تأجيل القمة بقرار رئاسي تونسي فردي من دون التشاور مع بقية الدول العربية. في اليوم التالي أعلنت مصر استعدادها لاستضافة القمة.

أفرد الأخ الصديق عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية الأسبق، في مذكراته صفحات لتلك الأيام العربية، التي وصفها بأنها أصعب ما واجهه بعد احتلال الولايات المتحدة العراق. بعد جهود متواصلة ورحلات مكوكية، قام بها أمين الجامعة العربية بين عدد من العواصم العربية، التأمت القمة بتونس في شهر مايو (أيار) 2004 وحضرها أربعة عشر زعيماً، ومثَّل رؤساء وزارات ووزراء خارجية بقية الدول الأخرى. كان العقيد معمر القذافي متوتراً قبل بداية القمة، واعترض بشدة على عنوانها، وهو الإصلاح، وقال إن ذلك يعني اعترافاً بأننا أنظمة فاسدة، وأن الولايات المتحدة وأوروبا، هما من أملتا هذا العنوان على الحكام العرب. غادر القذافي القمة وتوجّه إلى السفارة الليبية، وأعلن أن ليبيا ستنسحب من الجامعة العربية.

كانت تلك القمة قمة الاختلاف والاضطراب السياسي العربي، من عنوانها إلى حلقات الإعداد لها في اجتماعات وزراء الخارجية العرب، وانتهاءً بما شهدته اجتماعات الزعماء. لا خلاف على أن قضية الإصلاح دفعت إلى طرحها على القادة العرب، الولايات المتحدة ومعها الدول الأوروبية بعد هجوم «القاعدة» على الولايات المتحدة، لكن قضية الإصلاح العربي أمر في غاية التعقيد، ولا يمكن أن يوضع على مائدة واحدة، يتحلّق حولها كل القادة العرب من المحيط إلى الخليج. فكل دولة لها منظوماتها السياسية والاجتماعية والثقافية، التي راكمتها تجارب وتكوينات وتطورات تاريخية خاصة بها. دول تؤمن بأنها ليست في حاجة إلى إصلاح في أي مرتكز من مرتكزات نظامها، وأخرى تعتقد جازمة بأن الدعوة للإصلاح هدفها فرض منظومات قيمية مستوردة من الخارج. والجميع يتفق على أن القبول بكلمة الإصلاح يعني الاعتراف علناً بالفساد الذي تغلغل في مفاصل هذه الدول.

الإصلاح لا تمكن مناقشته، وكتابة وصفة شافية له بشكل جماعي تشمل كل الدول. ذاك موضوع في غاية الحساسية، تدفعه إلى حد الاستحالة. الأنظمة العربية مختلفة في تكوينها السياسي، منها الملكي ومنها الأميري ومنها الجمهوري وحتى الجماهيري، أضف إلى ذلك التباين في الأنظمة الاقتصادية، فهناك الرأسمالي وهناك الاشتراكي، وحتى داخل هذين النظامين هناك اختلافات كبيرة. تلك القمة حرَّكت مياه خلافات كانت راكدة إلى حد ما، منذ غزو صدام حسين للكويت، والاحتلال الأميركي للعراق. الإصلاح هو قضية وطنية خاصة جداً، وكل دولة تعالجها وفقاً لرؤيتها وحساباتها الذاتية. انتهت قمة تونس وبعدها قمة الجزائر، ببيانات إنشائية عن الإصلاح تاهت في غبار النسيان.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إصلاح عربي يكبو قبل أن ينطلق إصلاح عربي يكبو قبل أن ينطلق



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt