توقيت القاهرة المحلي 20:10:38 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مصر ومضات الحضارة المتجددة

  مصر اليوم -

مصر ومضات الحضارة المتجددة

بقلم : عبد الرحمن شلقم

في الموسيقى، يُستعمل مصطلح السماعي والنوتة، وفي النحو العربي قيل، هناك قولان الكوفي والبصري. بعيداً عن أسماء الزمان السلطوي والعقدي والجغرافي والاجتماعي. هناك تاريخ لا يرحل وكأنه حالة مزمنة لا ترياق يزيح ثقلها. الجغرافيا قوة فاعلة مزمنة، وكذلك هي الثقافة والتاريخ. على خريطة الورق الكونية، تمتد خطوط طول وعرض، وتسكن دول لها وجود في حدود. على ورق الخرائط سكنت إمبراطوريات، وحكمت سلطات، وكانت أمم. إمبراطوريات حكمت من يليها، بقوة السلاح يحمله رجال. من الإسكندر الأكبر، إلى الرومان، وقبلهم الفراعنة، وبعدهم العرب. ذهب من ذهب وبقي من بقي. تكوين حضاري وثقافي ظلَّ يرفع رأسه فوق قبة الوجود الإنساني الممتد عبر الزمن. الحضارة المصرية الضاربة.

في سنة 1971، كنت طالباً في السنة الثانية بقسم الصحافة بجامعة القاهرة، ورئيساً لنادي الطلبة الليبيين بالقاهرة. نظمنا زيارة إلى الأقصر بالتنسيق مع نادي الوافدين بالقاهرة. قرابة أكثر من مائة طالب ليبي بالجامعات المصرية، تحركنا في القطار إلى صعيد مصر الجميل. الاحتلال الإسرائيلي يجثم على سيناء وأراضٍ سورية وأردنية فلسطينية. في مصر يشتعل غضب شعبي في كل البلاد، وللجامعة نارها وغضبها الحار الخاص. كانت المظاهرات الطلابية هي الشهيق والزفير الذي ينتجه الضمير الشعبي المصري. شاركتُ في بعضها أمام جامعة القاهرة، مع صديقَي حلمي سالم وسليمان الحكيم. كانت مدينة القاهرة خندق إرادة. خاف منه الخوف، وهرب من ترابه الوهن، وفاح فيه عطر المقاومة الرجولية والنسوية. هناك سمعت مصر ورأيتها. كنتُ عائداً مع صديق من مشاهدة مسرحية. ركبنا حافلة من الدقي إلى المساحة. ارتفعت صفارات الإنذار، تحذّر من غارة إسرائيلية جوية. هتف جميع الركاب رجالاً ونساءً، الله أكبر حنحارب حنحارب. في اليوم الثاني زرت بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة الليبيين، ومعهم بعض الضباط الوحدويين الأحرار الشباب. الرائد عبد السلام جلود، والرائد علي الفيتوري والملازم عبد السلام أبو قيلة، وآخرون لا أتذكر أسماءهم.

كانت مصر تترجرج بين لهيب نيران، وطوفان وجود يتقاسمه أضغاث يأس حار، وإصرار لا رافعة له أو ثقل ميزان. حركة التصحيح ضربة سياسية قادها الرئيس أنور السادات ضد من أطلق عليهم، مراكز القوة، أي بقايا عهد جمال عبد الناصر. بقايا غبار هزيمة الخامس من يونيو (حزيران)، لم يزل يغرس أشواكه في القلوب والأنوف. كلما اخترقت طائرة إسرائيلية، حاجز الصوت فوق سماء القاهرة، تحركت القنابل المضادة للطائرات، من القلوب والعقول المغروسة في التكوين المقاوم، قبل أن تنطلق من المدافع النارية المدفونة في التراب. الآن سنوات العمر تحاور زمنها، وتفتح صفحات لها سطور بما فيها، من نزق وغضب وأحلام وآمال، بعضها رحل وبعضها اضمحل. الآن في هذه الأيام التي بعضها يجلد ذاتها، وآهات تمرر أكفها، على وجوه يعلوها تراب تاه على صفحة بكماء. أسأل، أنا الذي أعيش على زفير زمن يتيم، أسأل وأستل علامة استفهام (؟) من حرف لواه الأولون، وأقول من وضع رصاصة المقاومة في بيت نار الوجود الكياني المصري؟ لسنا في حاجة إلى فتح مجلدات التاريخ، ولا تفكيك خطوط الطول والعرض، ولا قراءة حروف التراب الفرعونية، ولا ما قاله الفراعنة وما قاله من قبلهم وبعدهم. الحياة مواسم لها ما لها وعليها ما عليها في كل الدنيا، لكن لمصر فصولها الخاصة، ولها زمانها الفريد. قد تنحني كي تمر العاديات مع نسيم الزمن ورياحه وعواصفه، لكن مصر هام تكويني إنساني، يعرفه كل عصر ويمد له شفرة الوصل المقدسة. لولا مصر ما كانت تنتشر اليهودية، ولا المسيحية ولا الإسلام. مصر زمن يبدع أزماناً. زمن يكتب ويقرأ ويعبّر. له حواسه التي ترى وتقول وتعبّر.

من يقاوم مصر؟ هذا سؤال قد يبدو مغالطاً أو مراوغاً. نعم، لكن علامات الاستفهام لها مقاصد مزخرفة بدقات العقل. مصر أمة لها تكوين مغروس في بنية الوجود التأسيسي الإنساني. الأمم في الحضارات بين النهوض والهبوط، في مشارق الأرض ومغاربها، لكن للإنسانية رواسي بشرية ثابتة، لها أصول تخترق الزمان والمكان، ولا ترهقها عاديات الزمن. مصر قوة في الوجود الإنساني، أكبر من قوة الجغرافيا وسطوة التاريخ. الشرق هو زاوية قياس للإحساس الإنساني. الخوف من الانفلات العنفي المسلح، لا يمكن مواجهته إلا بزخات من رشات القيم الإنسانية الشاملة. السلاح يصنع قوة عالمية قاهرة، لكنه لا يبدع طاقة حضارة سلام إنسانية. البديل الإنساني الكبير، يبدأ من مصر التي أنطقت الصخر، وزرعت فيه الومضة الإنسانية الخالدة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مصر ومضات الحضارة المتجددة مصر ومضات الحضارة المتجددة



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt