توقيت القاهرة المحلي 22:26:05 آخر تحديث
  مصر اليوم -

سلفيون... ولاهون... وبينهما متحف!

  مصر اليوم -

سلفيون ولاهون وبينهما متحف

بقلم: فاطمة ناعوت

هناك لحظاتٌ فى عمر الأمم تشتعلُ فيها الذاكرة فجأةً، كما لو أن شعبًا بأكمله يتأمل مرآته الأولى بعد قرون من الغبار. موكب المومياوات الملكية؛ كان واحدة من تلك اللحظات الفارقة؛ الليلة التى وقف فيها العالم إجلالاً لتاريخنا العظيم، ليشهد مصرَ وهى تستعيد شأنها الرمزى، بلدًا لا يشير إلى التاريخ بإصبعه، بل هو التاريخ ذاته. واكتملت اللحظةُ مع افتتاح «المتحف المصرى الكبير»، وكأن وعيًا جديدًا أخذ يتشكّل: احترامُ الأثر، اعتزازٌ بالهوية، وإدراك أن ما تحت أقدامنا ليس ترابًا، بل طبقات من الزمن وحكايا خلّدها أجدادٌ عظام.

المتحف الكبير ليس صرحًا يضمُّ شطرًا من تاريخ هذا الجد، بل كتابًا ضخمًا يحكى أقدم روايات الإنسان. ومع توافد عشرات الآلاف من الزوار خلال أيام، تأكد لنا أن الوعى بتاريخنا يتزايد فى متوالية هندسية متسارعة ومُبهرة. هذا الوعى كنزٌ آخر تضيفه مصرُ إلى كنوزها. لكن لوحة الوعى، على جمالها، لم تخلُ من صدوع صغيرة كشفت أن الطريق نحو استعادة كامل الوعى الحضارى، ما زال طويلاً.

رجل يدخل المتحف ليتلو القرآن الكريم ويلعن الفراعنة. وآخر يقول إن زيارة المتحف حرامٌ، بينما يوثّق فتواه فى فيديو على «هاتفه» الذى يلعن صنّاعه بوصفهم «كفّارًا»؛ وكأنه يعادى «التاريخ» و«الحداثة» فى آن، فى فقرة تناقُض كوميدى بائس. وفتاة تمد يدها لتضع أحمر الشفاة على شفاة تمثال، كما لو أن الحجر الخالد، مثلها، يحتاج لمسة تجميل ليصبح «صالحًا للكاميرا»! تلك التصرفات الهزلية ليست طرائفَ للتندّر؛ بل علاماتُ نقص خطير فى الوعى: الثقافى والدينى والجمالى. علامات تشى بأن جزءًا من المجتمع لم يستوعب بعد معنى أن تكون ابنًا لحضارة بهذا العمق والعراقة والخلود والثراء. فالوعى ليس فورة فخر بصور المومياوات، بل فهمٌ حقيقى لطبيعة الأثر، ومكانته فى مدونة الرحلة الإنسانية.

ولم تكن هذه أول مواجهة بين الجهل والحضارة. فمنذ قرون غابرة ظهر رجل متطرف اسمه «محمد صائم الدهر»، مشى يجرّ معوله نحو تمثال «أبو الهول»، يروم هدمه، فلم يفلح إلا فى كسر جزء من الأنف. فغدا الأنفُ المشطورُ رمزًا لحماقة بشر يواجهون التاريخ بمعول لا بفخر. وفى زمن الإخوان البائس، خرج دعيٌّ سلفى اسمه «عبد المنعم الشحات» مطالبًا بهدم الآثار المصرية، أو تغطيتها بالشمع، انتظارًا لزمن «التمكين» الذى يسمح لهم بهدم إرثنا الحضارى كله! بكل مرارة يشهد التاريخُ أن الحضارة المصرية لم تُهاجم من خارجها، بقدر ما نُخرت من داخلها، على يد بعض أبنائها الذين لم يدركوا قيمتها.

فى سبعينيات القرن الماضى، حدثت مفاوضات بين مصر وألمانيا من أجل «استعارة» رأس نفرتيتى من «متحف برلين»، لكن الرئيس الألمانى اعتذر قائلا: «نخشى إن أعدناها، ألا يوافق المصريون على رجوعها إلينا». تلك العبارة الدبلوماسية الجميلة تحمل إيمانَ الألمان بأننا شعبٌ مثقف يعرف قيمة كنوزه ويودُ استعادتها.

ما نحتاجه اليوم ليس الاحتفاء بالمتحف الكبير، بل تحويله إلى مدرسةٍ للوعى. أن ندرك أنه ليس مكانًا لالتقاط الصور، بل محرابٌ مُهابٌ لالتقاط المعنى. معنى أن التماثيل ليست أصنامًا، ولا ديكورًا، بل وثائقُ عزيزةٌ عنّا نحن المصريين. وأن الحضارة المصرية ليست ورقة فى كتاب التاريخ، بل بنيةٌ ذهنية تشكّل وعينا كأمة. الوعى الحضارى ليس فورة تشتعل وتنطفئ، بل بنية تحتية راسخة تُبنى بالتعليم، والاحترام، والتجربة، والقدرة على رؤية الماضى كعمود فقرى للشخصية المصرية يصلب عودَه ويرفع هامته معتزًّا بإرثه الذى منه يغار العالم.

المتحف الكبير لا يُختصر فى حفل افتتاح مهيب؛ بل هو عهدٌ وميثاقٌ بأن نرفع مستوى وعينا إلى مستوى تاريخنا. وما بين سلفيين غافلين يرهبون التماثيل، ولاهين يعبثون بها، هناك ملايين المصريين الذين يدركون أن الحضارة لا تُحمى بالتشديد الأمنى وتغليظ العقوبة على المخربين وحسب، بل بتكريس الوعى العميق بثرواتنا التى يفخر بها العالم. فالوعيُ هو الحارسُ الأول للإرث العظيم، وهو الذى يجعل المصرى ينظر إلى آثاره لا كأشياء من الماضى، بل كجزءٍ أصيل من حاضره ومستقبله.

المتحف الكبير ليس صرحًا عظيمًا يضم تماثيل حضارتنا، بل هو امتحان معرفى ووطنى، يتساءل: هل نحن بالفعل أبناء تلك الحضارة الخالدة، أم ورثة عثروا عليها بالمصادفة؟ هل ندرك أن الآثار ليست حجارة، بل تاريخٌ وعلمٌ وفلسفة وجمال، لا يصحُّ تركها فريسة بين فكيّ سلفيّ متشدد يُشهِّر بها على منبره، ولاهية تعتبرها زينة على رفّ. وبين أولئك وهؤلاء يقف المتحفُ صامتًا وشامخًا يحاول أن يشرح يذكّرنا بأنه قلب مصر النابض، وأهم مشروع ثقافى فى القرن الواحد والعشرين، يعلّمنا أن نرى فى كل تمثال درسًا، وفى كل بردية مرآة، وفى كل حجر بابًا نحو ماضينا.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سلفيون ولاهون وبينهما متحف سلفيون ولاهون وبينهما متحف



GMT 18:46 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

لماذا يحتاج “الحرس الثوري” “الحزب”؟

GMT 18:43 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

التجرؤ على المال العام !

GMT 18:28 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

عودة إلى عز العرب

GMT 18:16 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

ورقة لبنان

GMT 18:11 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

هل عادت الحرب أم هو التفاوض بالنار؟

GMT 18:09 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

خبر مدهش ورد فعل مدهش

GMT 18:06 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

أعلام كفر شكر!

GMT 18:04 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

لغز مقبرة الوطاويط «TT33»

الفستان البليسيه الأبيض يتصدر إطلالات إليسا المميزة

بيروت - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:29 2025 الثلاثاء ,03 حزيران / يونيو

بيراميدز يجهز مصطفى فتحي لنهائي الكأس أمام الزمالك

GMT 13:07 2025 الأربعاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

الزمالك يتمسك باستمرار المغربي محمود بنتايج ويرفض رحيله

GMT 11:15 2023 الجمعة ,01 أيلول / سبتمبر

عام دراسي يتيم في اليمن

GMT 03:17 2018 الأربعاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

طريقة سهلة لتحضير قشطة بانوفي المخفوقة بالبندق والشوكولاتة

GMT 02:44 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

علا غانم تقرر الانسحاب من رمضان وتنتقل للعيش في أميركا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt