توقيت القاهرة المحلي 08:45:37 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

  مصر اليوم -

لبنان من ساحة إلى طرف في النزاع

بقلم : سام منسى

لم يعد ما يجري في لبنان قابلاً للاختزال في توصيفات تقليدية من قبيل «ضعف الدولة» أو «تعقيد التوازنات الداخلية»، بل نحن أمام واقع أكثر خطورة يتمثل في انهيار تدريجي شامل وفراغات موحشة على المستويات الرسمية والقيادية السياسية والدينية.

هذا الفراغ هو نتيجة مسار طويل من الاغتيالات بدأ مع الرئيس المنتخب بشير الجميل مروراً برئيس الحكومة رشيد كرامي ومفتي الجمهورية حسن خالد، إلى رينيه معوض، ليبلغ ذروته مع اغتيال رفيق الحريري وما تلاه من مسلسل تصفيات مستمر حتى اليوم.

وبين القتل المتعمد والغياب الطبيعي لزعامات لم يُملأ فراغها، انكشفت السلطة السياسية فتحولت من مرجعية سيادية إلى كيان يُعاد في ظله إنتاج قرار الحرب والسلم خارج مؤسساته وعلى أرضه، وباسمه أحياناً. حتى بات الوطن مثل «الرجل المعلق في الهواء».

شكلت نهاية حرب الإسناد الأولى وتوقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية بين «حزب الله» وإسرائيل في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى جانب انتخاب العماد جوزيف عون وتكليف نواف سلام رئاسة الحكومة، فرصة معلنة لإعادة تثبيت دور الدولة. غير أن ما تلاها لم يكن استعادة للسيادة بقدر ما كان مرحلة انتقالية كرست الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع.

كشفت المعطيات عن إعادة بناء قدرات «حزب الله» بإشراف مباشر من «الحرس الثوري» الإيراني، وتحويل هيكلية الحزب من قيادة هرمية إلى وحدات لا مركزية، بما يعكس انتقالاً من نفوذ إيراني خارجي إلى مشاركة فعلية في إدارة القرار العسكري داخل لبنان. وهنا يبرز السؤال: هل نحن أمام اختراقات جديدة أم تراكمات ممتدة؟ وإذا كانت كذلك، فماذا فعلت السلطة الجديدة لاحتوائها خارج حدود العناوين العامة؟

الحاصل منذ 28 فبراير (شباط) الماضي لا يقتصر على استعادة تنظيم عسكري لفاعليته، بل كان تحولاً بنيوياً نحو نموذج لا مركزي يصعب احتواؤه، مستفيداً من دروس المواجهات السابقة، خصوصاً استهداف مراكز القيادة. أمَّا دلالته الأهم فهي سياسية تتمثل بانتقال لبنان عنوة من ساحة لصراعات الآخرين إلى طرف فيها.

في هذا السياق، تصبح الدولة اللبنانية في موقع الاتهام لا الشكوى. فالدولة التي أعلنت بدء تنفيذ التزاماتها في الجنوب، تبين عجزها أو عدم رغبتها في ضبط ما يجري داخل أراضيها أو حماية حدودها، كما تجلَّى بدخول عناصر «الحرس الثوري». والأدق أن الدولة لم تسمح بذلك بقدر ما فشلت في منعه أو جرى من دون علمها، ما يكشف إما ثغرة أمنية خطيرة أو شبهة تواطؤ لا يمكن تجاهلها. ويُطرح أيضاً سؤال أكثر إرباكاً: أين كانت ترسانة الحزب طوال هذه الفترة؟

العجز لا يُختزل بنقص الإمكانات، بل بفقدان الدولة السيطرة على حدودها واحتكار استخدام القوة، فتتحول من كيان ضعيف إلى واجهة شكلية لقرار يُصنع خارجها، تصدر المواقف وتعلن تنفيذ الالتزامات من دون أن تتحكم في مسار الأحداث، فيما تنتقل وظيفتها الفعلية إلى قوى موازية، في واقع لم يعد استثناء بل قاعدة مستقرة.

تعيش السلطة حالة إنكار، فهناك من يتصرف وكأن الأولوية لا تزال لآليات تفاوضية شكلية فقدت معناها. هذا الانفصال عن الواقع لا يقل خطورة عن الانتهاكات نفسها. كيف تُطرح مفاوضات فيما القرار ليس بيد الدولة؟ ولماذا تُهمش مبادرات لاستعادة الحد الأدنى من القرار السياسي بذريعة توازنات داخلية مختلة؟

الوقت ليس لتقاذف المسؤوليات ولا لتحميلها لطرف واحد، بل للاعتراف بالواقع. فالقوى السياسية، بانشغالها بصراعاتها الضيقة، ساهمت في تكريسه بفعل التقصير أو التكيّف، فتوزعت المسؤولية بين من صادر القرار ومن سمح بمصادرته ومن تعامل مع ذلك كأمر واقع.

وبينما كانت الدولة تعلن خطوات سيادية في ظل ما يجري من «الحرس الثوري»، انشغلت القوى السياسية في حساباتها الانتخابية بتنافسها على سلطة تدرك أنها معطلة. أي مفارقة أقسى من هذه؟! ولا يُعفى المجتمع بدوره؛ إذ أسهم صمت شرائح واسعة، أو تكيفها مع هذا الواقع أو تبريرها له أحياناً، في تطبيع انتهاك السيادة وتحويله من صدمة إلى أمر مألوف.

لم يشهد لبنان أياماً مصيرية كهذه ولا يبدو الخروج من النفق ممكناً من دون إعادة الاعتبار للدولة، كمصدر وحيد للقرار، لكن من يبدأ ومن أين؟ فالمشكلة لم تعد في فقدان الدولة موقع المرجع الوحيد بل في ثقة المجتمع بقدرتها أو إرادتها على استعادة أدوارها. بين دولة تتراجع، وقوة تتقدم خارجها، ومنظومة سياسية عاجزة أو متواطئة، وشعب صامت، وحكومة إسرائيلية شرسة متهورة، يُكتب مستقبل بلد لم يُحسم بعد. فهل يستعيد دولته أم سيتكيف مع غيابها؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لبنان من ساحة إلى طرف في النزاع لبنان من ساحة إلى طرف في النزاع



GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 06:46 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 06:34 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 06:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

أوهام لبنانية

GMT 06:27 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

GMT 06:25 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

شروط التسوية الحقيقية

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt