توقيت القاهرة المحلي 23:59:11 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لعبةُ الحَبَّار

  مصر اليوم -

لعبةُ الحَبَّار

بقلم: فاطمة ناعوت

تناول «هايدجر» حَبّة فشار من صحنى فيما نشاهد مسلسل «لعبة الحبّار» وقال: (ألم أخبركِ بأن الإنسانَ ليس إلا كائنًا رُمى فجأةً على مسرح الكون، بلا اختيار، ثم أُضيئت الأنوار، وقيل له: «مَثّل!». لكن النصَّ لم يُكتب له، والوقتُ ينفلت من بين يديه، والنهايةُ هى الموت)؟.

لا يمكن النظرُ إلى المسلسل الكورى Squid Game فى أجزائه الثلاثة، إلا بوصفه نصًّا فلسفيًا مقنَّعًا فى صورة دراما مشوّقة، ومخيفة. فما يبدو كمنافسة دموية على المال، يتحوّل، عند التمعّن، إلى مرايا عاكسة لأعمق أسئلة الوجود: معنى الحرية، حدود الاختيار، مفهوم الرضا، الأثرة والإيثار، التضحية والغدر، العلاقة الملتبسة بين الإنسان والسُلطة، وبين الحياة والموت.

الجزء الأول مجازٌ قاتم لعبودية الجسد فى زمن الرأسمالية المتوحشة. اللاعبون بشرٌ سحقتهم عجلةُ الديون، فلم تبق إلا أجسادُهم يرهنونها فى مقامرة يائسة. الجسد هو «العملة الأخيرة»: رأس مال بائس يُلقى فى ماكينة اقتصاد متوحشة. ابتسم «هايدجر»، وقال: (انزلق الإنسانُ إلى حضيض الشيئية. لم يعد كائنًا يسائِل وجودَه، بل غرضًا مُلقى على طاولة لعب. شىءٌ يُقاس بمدى احتماله للألم وقدرته على الصمود. الوجود إذن يتفتت: من «كينونة تبحث عن المعنى» إلى «سلعة» فى سوقٍ يُقاس فيه الإنسانُ بعدد أنفاسه قبل أن يسقط. إنها لحظة انكشاف رهيبة: حين يُختزل الكائن الحى إلى مجرد جسد، ويُختزل الجسد إلى رقم، ويُختزل الرقم إلى احتمالٍ فى معادلة ربح وخسارة. وكأن الحياة، فى نظر الرأسمالية، لم تعد سوى خوارزمية باردة: جسد+ ديون = وقود للعبة).

ألعاب الطفولة: شد الحبل، الأرجوحة، الاستغماية، البِلى، الحلوى.... تتحوّل إلى ساحاتٍ للموت، وكأنها إعادة تدوير لذاكرة الطفولة فى طاحونة السوق القاسية. مملكة البراءة تتحوّل إلى أداة ضبطٍ وقتل. وكأنها استعارةٌ عن النظام الرأسمالى الذى يلتهم أحلى ما فى الإنسان من ذكريات.

الجزء الثانى يُجاوز المدى ويتوغّل أكثر فى «سؤال الحرية». فالمتسابقون يوقّعون على عقد المشاركة «طواعية». لكن أى طواعية تلك حين يكون البديلُ هو الجوع والذل والسجن وموت الأبناء لعسر العلاج؟ إنها نسخة معاصرة من «عقد روسو الاجتماعى» وقد تحوّل إلى فخٍّ. الحرية وهمٌ، والاختيار هلاك.

هنا يلتقطُ «سارتر» طرف الخيط الوجودى ويقول بأسى: (اللاعبون محكومون بأن يختاروا، حتى وإن كان الاختيارُ بين موت سريع برصاصة فى الرأس، أو ذُلّ الموت البطىء فى طاحونة الديون. الحرية، كما صوّرها المسلسل، محض قناع يُخفى الوجه البشع للقهر).

فى الجزء الثالث، يُرفع الغطاءُ عن المحرّك الخفى للعبة الدموية: «النخبة الثرية» التى تنظّم المسرح. المليارديرات الذين يتسلّون بموت المعدمين. هنا يقوم «ألبير كامو» إلى مكتبتى ويلتقط مسرحية «كاليجولا» ويقهقه قائلا: (ألم أقل لكم إن السلطة، حين يبتلعها فراغُ المعنى، تتحول إلى مسرح عبثى تُباع فيه الحياة وتُستهلك من فرط الملل؟).

الموتُ فى «لعبة الحبّار» ليس حدثًا عابرًا، بل أداةٌ فلسفية لكشف ما يختبئ تحت القشرة. فى مواجهة الموت، يظهر الإنسانُ على حقيقته: خيانة، تضحية، حب، أنانية، صدق، نذالة، رقى، غدر. المسلسل يذكّرنا بتجربة «دوستويفسكى» فى «الإخوة كارامازوف»: لحظةُ الموت تُجرِّدُ الإنسانَ من الأقنعة.

لكن المسلسل يزيد على ذلك شيئًا: يجعل الموتَ نفسه سلعة. فكما يُباع الخبزُ والنفط، صار الموتُ عَرَضًا يُباع ويُشترى. تلك أقصى درجات التشيىء: أن يتحوّل الفناءُ إلى فرجة وتسلية.

الرسالة التى تخرج من الأجزاء الثلاثة ليست نقدًا للرأسمالية ولا هجاءً للسلطة؛ بل محاولةٌ لإعادة طرح السؤال الجذرى: ما الإنسان؟ هل هو حرٌّ أم مُسيَّر؟ هل يملك إرادة أم أنه نتاج منظومة سحقته وأوهمته بالاختيار؟ «لعبة الحبار»، فى جوهرها، تصرخ بما قاله «نيتشه»: «الإنسان جسرٌ، لا غاية». لكنه ليس جسرًا للارتقاء إلى «الإنسان الأعلى»، بل جسرٌ تعبر عليه قوى أعظم: المال، السلطة، العبث. لكن فى لحظةٍ ما، يطلّ سؤالٌ آخر: هل يمكن للإنسان أن يقول «لا»؟ أن يرفض اللعبة كلها؟ ربما تكون الإجابة فى النهاية سلبية، لكن المسلسل ينجح فى طرح السؤال على الأقل. وفى الفلسفة، كما نعلم، طرحُ السؤال أهمُّ من تقديم الإجابة.

لكنَّ الدهاءَ الأكبر من صنّاع الدراما الكورية يظهر حين نكتشف أننا، نحن المشاهدين، لسنا أبرياء. فنحن نتفرّج على «الموت» ونتسلّى، مثلنا مثل أولئك الأثرياء الجالسين على الأرائك المخملية. المسلسل يضعنا فى الموقف الأخلاقى ذاته: نتلذذ بالمأساة ونحن نعرف أنها خيال. لكن ألا نفعل الشىء ذاته فى حياتنا الواقعية حين نستهلك أخبار الحروب والكوارث دون أن نحرّك ساكنًا؟!، هنا تغدو «لعبة الحبار» مرآة لا نحتمل النظر إليها طويلًا، لأننا شركاء فى اللعبة، حتى ولو كنا جالسين خلف الشاشات.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لعبةُ الحَبَّار لعبةُ الحَبَّار



GMT 18:46 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

لماذا يحتاج “الحرس الثوري” “الحزب”؟

GMT 18:43 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

التجرؤ على المال العام !

GMT 18:28 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

عودة إلى عز العرب

GMT 18:16 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

ورقة لبنان

GMT 18:11 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

هل عادت الحرب أم هو التفاوض بالنار؟

GMT 18:09 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

خبر مدهش ورد فعل مدهش

GMT 18:06 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

أعلام كفر شكر!

GMT 18:04 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

لغز مقبرة الوطاويط «TT33»

الفستان البليسيه الأبيض يتصدر إطلالات إليسا المميزة

بيروت - مصر اليوم

GMT 22:37 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

الكرملين يؤكد عدم وجود خطط لمكالمة بين بوتين وترامب
  مصر اليوم - الكرملين يؤكد عدم وجود خطط لمكالمة بين بوتين وترامب

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:29 2025 الثلاثاء ,03 حزيران / يونيو

بيراميدز يجهز مصطفى فتحي لنهائي الكأس أمام الزمالك

GMT 13:07 2025 الأربعاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

الزمالك يتمسك باستمرار المغربي محمود بنتايج ويرفض رحيله

GMT 11:15 2023 الجمعة ,01 أيلول / سبتمبر

عام دراسي يتيم في اليمن

GMT 03:17 2018 الأربعاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

طريقة سهلة لتحضير قشطة بانوفي المخفوقة بالبندق والشوكولاتة

GMT 02:44 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

علا غانم تقرر الانسحاب من رمضان وتنتقل للعيش في أميركا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt