توقيت القاهرة المحلي 07:29:30 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هندسة عين شمس... العظيمة

  مصر اليوم -

هندسة عين شمس العظيمة

بقلم: فاطمة ناعوت

كأنه بالأمس فقط. كأننى ما غادرتُ مدرجاتِ هذه الكلية الجميلة إلا قبل برهة. الأشجارُ كما هى، لكنها ازدادتْ كثافةً وإيراقًا وإظلالاً، الأبنيةُ زادها الزمنُ مهابةً وعراقةً. الوجوه تغيّرتِ، لكن «الاسمَ» ظلَّ عظيمًا شاهقًا مثلما كان، وسيظل بإذن الله: «هندسة عين شمس» التى أخرجت عِظامًا من رموز مصر والعالم، منهم علماءُ ووزراءُ ورجالُ أعمال منهم، مع حفظ الألقاب؛ المهندسون: هانى عازر، أيمن عاشور، أحمد زكى بدر، صلاح دياب، فاروق الجوهرى، طارق النبراوى، محمد إبراهيم سليمان، صلاح حجاب، على زين العابدين، محمد بهاء الدين، ماجد جورج، شريف إسماعيل، محمود أبو النصر، حاتم عبد اللطيف، إبراهيم الدميرى، حسن يونس، محمد الشيمى، هشام عرفات، محمد فتحى البرادعى، وغيرهم الكثير.

علاقتى بها تجاوزت السنواتِ الخمسَ التى قضيتُها فى رحابها أنهلُ من علومها على أيادى أساتذتها الأجلاء. بل بدأت منذ الطفولة؛ حين كان جدى المعمارى «صبرى أبو حسين» يحكى لى ذكرياته بها، شارحًا المساقطَ الأفقية لمشاريعه التى أنجزها فى مصر و«جِدّة» السعودية، وأن مشروع تخرجه كان «رفع القُبّة» التى تعلو الواجهة الأمامية العريقة، أى رسم مساقطها على الورق وتبيان محاور التماثل والتعامد. ثم أهدانى طقم التحبير الخاص به Stango تحفيزًا لى. وكنتُ فى طريقى كل يوم لمدرستى الابتدائية CGC أُطلُّ من نافذة الباص وأشيرُ إليها بزهو قائلة لزملائى: «دى الكلية اللى هادخلها لما أكبر!» وكثيرًا ما ادخرتُ من مصروفى الصغير لأشترى من مكتبة «هاشم» أو «سمير وعلى» مساطرَ وشابلوناتٍ ومناقلَ وبراجلَ، لا أدرى كيف أستعملُها! وكأننى أودُّ استكمال مجموعتى الدراسية لحين دخول الكلية بعد سنوات طوال. لم أستخدم طقم تحبير جَدى، ولا شابلوناتى ومساطري؛ لأننى حين وصلتُ للكلية كانت قد استُجِدت أدواتٌ وعفى الزمنُ عن أدواتٍ، حتى صار اليوم الكمبيوتر وبرامجه هو الأداةُ ولا شيء آخر.

بدعوة كريمة من الدكتور »عمرو شعث« عميد كلية الهندسة جامعة عين شمس، حضرتُ قبل أيام حفل تخريج دفعة ٢٠٢٥. وفى نهاية يونيو الماضى كنتُ قد حضرتُ المؤتمر العلمى السنوى لهندسة عين شمس بحضور الدكتور «أيمن عاشور» وزير البحث العلمى لتكريم الأساتذة الرواد من الدفعات القديمة تقديرًا لجهودهم وعطائهم الأكاديمى والمهنى. كان الحفلُ فى «مدرج فلسطين العريق» الذى التقيتُ فيه لأول مرة بالشاعر الكبير «عبد الرحمن الأبنودى» حين دعوناه، نحن الطلاب، لنستمع منه إلى قصيدة «حراجى القط»، ويومها أنصتَ إلى قصائد الموهوبين من الطلاب، وكنتُ من بينهم، وقرأتُ أمامه وأنا أتعثّر فى خجلى قصيدة «طوباوية»، وصافحنى بحرارة متنبئًا لى بمستقبل واعد فى الشعر، فبكيتُ فرحًا.

أما حفل التخرج فكان فى ملعب الكلية. وكانت شمس الغروب ترسم خيوطها الذهبية على الأبنية القديمة فازدادت سحرًا فوق سحر. الخريجون يعتمرون قبعات التخرج السوداء، وعلى وجوههم ابتساماتٌ تجمع بين فرحة التخرج وقلق غدٍ يرسم المستقبل. والأساتذة يرتدون أرواب الأكاديميا السوداء بالأوشحة القرمزية والزرقاء تبعًا للرتبة الأكاديمية. وأما أسر الخريجين فلم ينجحوا فى إخفاء ملامح الفرح والفخر بأبنائهم الذين كللوا سهر لياليهم بتيجان النجاح والتفوق. وعلى الشاشة العملاقة، تواترت صورُ الخريجين وهم أطفال إلى جوار صورهم فى الجامعة، وكأننا نتلصص على زمان يمرُّ بعصاه السحرية على الطفولة النابهة ليجعلهم مع الأيام مهندسين سُرَّ من رآهم. وعلى المنصّة تعاقبتِ الكلماتُ المشرقة مثل مشاعل تنوير من عميد الكلية ورئيس الجامعة ونقيب المهندسين والوزراء الذين جاءوا يردون الفضلَ للكلية التى درسوا على مقاعدها. وجهوا كلماتهم للخريجين الجدد بأن مهنة الهندسة ليست صناعة الأبنية، بل صناعة الجمال وبنيان الغد بالضمير وشرف المهنة والنزاهة والعبقرية. فالهندسة ليست خرائطَ ولوحاتٍ، بل «عقدٌ أخلاقى» مع الناس والوطن والطبيعة. وألقى المهندس «طارق النبراوى»، نقيب المهندسين، قَسَم التخرج، ورددنا وراءه نحن قدامى الخريجين، مثلما ردده الخريجون الجدد. وطارتِ القبعاتُ الأكاديمية السوداءُ فى السماء، كطيورٍ محرَّرَة، تتلألأ عُذَبُها فى ضوء الغروب، قبل أن تهبط بخفّة على الأكتاف. لحظةٌ خاطفة، تختصر سنواتٍ من السهر والكفاح.

حفلات التخرج تُعيدُ إلينا لحظات نوستالجيا غالية محفورة على جُدُر ذاكرتنا وقلوبنا. نتذكر دموعَ الفرح فى مآقى أمهاتنا وهنَّ يبروزن الشهادات، ونتذكر كاب التخرج المربع ولحظة نقل عُذبته Tassel من اليمين إلى اليسار، ثم الإطاحة به فى الهواء، لكى يتلقاه طلابٌ جدد.

خرجتُ بالأمس من حفل التخرّج ٢٠٢٥، كأنه يوم تخرجى من هندسة عين شمس قبل عقود، ممتلئةً بفخر الانتماء إلى صرحٍ عريق علّمنى أن العمارة ليست حجارةً وخرساناتٍ بل ذاكرةٌ وهُوية وشرف. وتظلُّ هندسة عين شمس منارةً تصوغ النورَ جدرانًا ومصانعَ وماكيناتٍ، وتبنى لمصر غدًا يليقُ بمجدها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هندسة عين شمس العظيمة هندسة عين شمس العظيمة



GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 07:02 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 06:46 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 06:34 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 06:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

أوهام لبنانية

GMT 06:27 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt