توقيت القاهرة المحلي 05:53:05 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أندهشُ... حين لا أندهشُ

  مصر اليوم -

أندهشُ حين لا أندهشُ

بقلم: فاطمة ناعوت

يندهشُ أصدقائى من دهشتى أمام أمور غير مُدهشةٍ، أو بالأحرى لم تعد مدهشةً من فرط تكرارها. لكنى أندهش من المدهشات مهما تكررت. بل أندهشَ من نفسى، إن مرَّ أمامى أمرٌ مُدهشٌ ولم أندهش، ربما بسبب ضغوط الحياة أو التعب، فأعود وأعتذرُ لما سمحتُ له أن يمرَّ دون دهشة. مثلا كلما نبتت زهرةٌ فى شرفتى، أقفُ أمامها مذهولة! من أين خرجت! ومرةً كنتُ متعبةً فلم أعبأ، ومرّ اليومُ كئيبًا، ثم تذكرتُ الزهرة فركضتُ إليها واعتذرتُ لها. أندهشُ كلَّ يومٍ من القمر يضىء وهو معتم، ومن قوس قزح يعبر السماء كسهم مارق لا يخلط ألوانه. وأعلم أن قارئى يدركُ أن الأمر بعيدٌ عن تحصيل العلم. فقد درستُ الأحياء والفيزياء والفلك، لكنه إكبارٌ لمعجزات يهديها اللهُ لنا كل يومٍ، حتى تمتلئ عيونُنا بالجمال.

الإنجليز يرون الدهشة ضد الأرستقراطية. «الأرستقراطى لا يبدى دهشتَه» وأنا، وفق هذا التعريف، أبعدُ الناس عن الأرستقراطية. أندهشُ لأمور لا تُدهش الأطفال. أندهشُ من القلم يخطَّ شيئًا؛ فيحوّل شيئًا غامضًا فى رأس الكاتب، اسمه «فكرة»، إلى رموزٍ، فيعثرُ شخصٌ آخر على الوعاء، المسمى «ورقة»، وينظر فى تلك الرموز، المسماة حروفًا، فيرى ما فى رأس الشخص الأول! معجزةٌ مدهشة عابرةٌ للزمان. فحين تفتح كتابًا وتقرأ مسرحية لـ«شكسبير»، فأنت تتلصّص على عقل رجل مات منذ خمسة قرون! نفس المعجزة التى تجعلكم ترون عقلى وأنتم تقرأون الجريدة الآن!.

لا أفقد الدهشةَ مهما تكرر حدوثُ المدهشات، ليس لتعطُّل التراكم المعرفى لديّ، بل تشبّثًا بخيط الفرح بالحياة. اِحسبْ كم سأفقدُ من بهجة لو توقفتُ عن الدهشة؟! مثلا شغّل المروحة فى ليلة حارّة، وتخيل نفسك خليفةً عباسيًّا تحيطُ بك الحسان «يُمروحن» عليك بريش النعام. تخيّلْ هذا، واندهشْ، وافرحْ.

ومثلما تُدهشنى معجزاتٌ مبهجةٌ مثل القلم والقمر والطمى الأسود ينشقُّ عن زهرة ملونة، أو دودة تتكور على نفسها داخل سجن الحرير، ثم تخرجُ فراشةً تطير...، توجعنى مُدهشةُ الإنسان الذى اعتمر الأرضَ ملايين السنين، ولم ينجح بعد فى الكفِّ عن القتل والكذب والظلم والسرقة والاغتصاب! كأن الزمانَ لا يمرُّ، ولم نتعلم أن الجمال وحده سيصلح العالم! كم مليون سنة يحتاج الإنسانُ ليغدو فاضلاً؟!.

أقولُ لأصدقائى الذين يسخرون منى إننى لو توقفتُ عن الدهشة من الجمال، سوف أعتاده فلا أفرح، وإذا توقفتُ عن الدهشة من قبح الخطايا، سوف تمرُّ دون رفض، ومَن يدرى ربما يأتى يومٌ وأرتكبُها.

الدهشةُ هى دليلى أننى أحيا وأتفاعل مع الوجود. تدهشنى ذبابةٌ ثابتة فى هواء كابينة قطار يجرى، لا تصطدم بالجدار!، تدهشنى النملةُ تسير فى خمس ثوان ما يوازى طول جسدها ألف مرة!، كأنما إنسان يمشى ميلا فى لحظات! ويجىء العلمُ، الذى أنفقتُ عمرى فى تحصيله، ليفسدَ جميعَ متعى. درسُ الكيمياء والفيزياء والأحياء يدمر دهشاتى. العلمُ يخبرنى أن القمر الجميل، محضُ كوكب صخرى مظلم يسرق من الشمس نورها فيضىء. تبًّا!.

الدهشةُ تعنى السؤالَ، والسؤالُ يجيب عنه العلم. وتبقى أمورٌ لم يحلّها العلم، ومن ثم توجّب اشتقاقُ لون جديد من العلوم الإنسانية هو الإبستمولوجيا أو نظرية المعرفة. يقول «كارل ياسبرز»: «كل إجابة تصبح سؤالا جديدًا». وتلك حكمةُ الله تعالى لكى يذكرنا أن العلم سيظلُّ قاصرًا ليبقى العالَمُ لغزًا مُحيّرًا، ونظل نندهش فنثبت أننا بشر. ولهذا يدعونا «إيدموند هوسرل» للرجوع إلى الذات والوعى النقى لتحطيم المعارف الجاهزة التى تعوّق مشارفة الحقيقة. فعلى الإنسان أن ينشئ فلسفةً خاصة، قائمة على حدوسه الشخصية.

من أجل ذلك رفض «فيثاغورس» أن يُدعى «حكيما» لأن الحكمة تعنى امتلاك الحقيقة. ومَن يمتلكُها؟ وفضّل عليها كلمة «فيلسوف»، وهو «محبُّ الحكمة»، لا مالكها. هذا التواضع المعرفى، والتوق الدائم إلى التعلّم، هو الذى سيولّد فيما بعد منزع الشك المنهجىّ الذى سيؤسسه «ديكارت» فى القرن السابع عشر. لذلك تبقى الأسئلةُ أهم من الإجابات. فدهشة نيوتن من سقوط التفاحة بدلا من طيرانها فى الجو بعدما تحرّرت من غصنها، خلق سؤالا. ثم نظرية. فهل كان «نيوتن» حين اندهش فيلسوفًا أم عالًما أم شاعرًا أم طفلا؟، إجابتى أنه إنسانٌ تحرّر من استعمار اليقين والمُسلّمات.

من هنا نفهم المنطق التوليدى للسؤال السقراطى الذى يبدأ بسؤال بسيط ثم يتدرج الحوار ليولّد أسئلةً إشكالية كبرى أحرجت رجال الدولة وحطمت اعتقادهم الدوجمائى بامتلاك اليقين، فقتلوا «سقراط» بالسمّ. جميلٌ أن نتحرر من الوثوقية والجاهزية والبداهة، ونستسلم للذة الدهشة. فلا شىء بديهيًّا فوق الأرض. كل شىء يصلح أن يكون محلّ سؤال ودهشة. حتى قبسة الهواء التى تدخل رئتى الآن لكى أحيا لدقيقة قادمة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أندهشُ حين لا أندهشُ أندهشُ حين لا أندهشُ



GMT 11:00 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

احتفلوا بقاتله

GMT 10:59 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

أفلام حكومية.. “عطلة 3 أيام”

GMT 10:58 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

لغز اغتيال سيف…

GMT 10:57 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

ثلاث “ساعات” حاسمة: طهران.. واشنطن.. تل أبيب

GMT 10:56 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

الشرع بعيون لبنانية

GMT 10:55 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عبلة كامل... فصاحة الصَّمت

GMT 10:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عندما لا تشبه النتائج السياسات

GMT 10:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

التهمة: مُزعجٌ مثل «ذبابة الخيل»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 20:53 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع
  مصر اليوم - توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt