توقيت القاهرة المحلي 05:53:05 آخر تحديث
  مصر اليوم -

على أبواب المتحف.. كلُّنا مصر

  مصر اليوم -

على أبواب المتحف كلُّنا مصر

بقلم: فاطمة ناعوت

عام ٢٠١٤، دعتنى قناة «الغد العربى» مع نخبة من أديبات وشاعرات الوطن العربى، فى برنامج «صباح مساء»، للحديث عن: «العيد الوطنى» للشعوب. وجاءت كلُّ أديبة مرتدية «الزى الوطنى» لبلدها: البحرين، السعودية، الإمارات، المغرب، عُمان، الأردن.. ومصر. وكان طبيعيًّا أن أرتدى فى الحلقة: «الزى الفرعونى». غير الطبيعى هو الهجوم العنيف والسخرية المرّة التى واجهتنى بعدها، وصورتى بالملابس الفرعونية التى تناقلتها الصفحات مصحوبة بآيات التنمّر والسُّباب! المدهش، والمحزن، أن بعض الساخرين كانوا من المثقفين! وحين سألتهم: وما هو زيّنا الوطنى؟ ارتجّ الأمرُ عليهم ولم يجب إلا القليلُ قائلين: «اللبس الفلاحى».

كنتُ أعلم أن السؤال صعبٌ، لأن مصر بضخامتها وتعدديتها وغزارة تاريخها: عصيّةٌ على التصنيف. من الصعب اختصارها فى زى واحد. لهذا عدتُ بالزمن إلى خط البداية، إلى الجذر الأول للهُوية المصرية، إلى الحضارة التى منحت العالم معنى الوطن والحكمة والفن والكتابة والطب والهندسة. فاخترتُ بداهةً: الملابس المصرية القديمة.

ومع عُسر سؤال «الزى الوطنى»، يتجاور سؤالٌ آخرُ لا يقلُّ تعقيدًا: «ما هو اليوم الوطنى لمصر؟»، الإجابة المألوفة: ٢٣ يوليو، يوم ثورتنا عام ١٩٥٢. وقبل ٥٢، ماذا كان يومنا الوطنى؟ هل هو ٢٨ فبراير يوم استقلال مصر عن بريطانيا وإعلان المملكة المصرية؟ أم ٤ فبراير يوم حادثة قصر عابدين عام ١٩٤٢؟ أم عشرات بل مئات الأيام الماجدة التى يصحُّ أن تكون عيدًا وطنيًّا لمصر عبر تاريخها الطويل؟.

مشكلة مصر فى جمالها وعراقتها وأمدها التاريخى بالغ القدم، على عكس الدول التى نشأت قبل بضعة عقود لم تتم القرن، يسهُل تحديد يوم ميلادها. أما مصر، ذات السبعة آلاف عام حضارة وعشرات الآلاف عام من السعى الحضارى، من العسير اختصارها فى يوم مجيد واحد، وهذا سرُّ خلودها وهيبتها، وعسر تصنيفها وتأطيرها فى زى ويوم. وهذا عينُ ما قصدته الجميلة: «سمر فرج فودة» فى كلمتها التى رجّت الرأى العام. وهو بالضبط سرُّ سعادتنا ونحن نشاهد الصور الحية لملايين المصريين المحتشدين أمام بوابات «المتحف المصرى الكبير»، بجميع الطوائف والأزياء والطبقات، التى من الصعب تأطيرها ولملمة شتاتها.

بعد افتتاح المتحف، اشتعل الفخرُ بتاريخنا الأعظم فى قلوب المصريين بجميع طوائفهم وانتماءاتهم وأزيائهم: العصية على التوحد والاختصار. الجلباب إلى جوار العباية. البدلة جوار الجينز. الطرحة جوار الخصلات المتطايرة؛ جميعنا مصريون نفخر بحضارتنا وانتمائنا لوطن خالد. وكأن بالمصريين عطشًا للوقوف على بوابة المجد؛ نفدت التذاكر من فورها فاشترى المصريون تذاكر الأجانب الغالية، وحين نفدت هى الأخرى انتشرت الحشودُ فى ساحات الهرم فى مشهد تاريخى مهيب وغير مسبوق؛ لم نره من قبل. كان احتفالًا صامتًا، وملوّنًا، بالهوية. تجمّع عفوى لشعبٍ يذكّرُ نفسَه بأنه لا يشبه أحدًا.. ولا يشبهه أحدٌ.

جاء الناس من جميع الجهات، يحملون ألوانهم ولهجاتهم وطرائقهم فى الفرح والضحك والانبهار. طفلة صغيرة وتلوّح بعلم، إلى جوار شيخٍ يلتقط صورة بهاتفه، وكأنّ التاريخ فتح ذراعيه وقال: «ادخلوا جميعًا، أنتم الصورة الكاملة». فمصر لا تُختصر، لأنّ جوهرها التعدد. هى ابنة النهر الذى لا يملّ من الاختلاط بالطين، والهواء، والناس. وكلّ من يقف على ضفّتها يأخذ منها ملامح مختلفة، ثم يعود ليضيفها إلى المزيج الكبير الذى اسمه الوطن. من الدلتا إلى النوبة، من الواحات إلى الأحياء الراقية، من الأرياف إلى المدن الصاخبة، كلٌّ يحمل مفتاحًا صغيرًا من مفاتيح الشخصية المصرية، ولا يكتمل اللحن إلا بجميع المفاتيح.

المتحف الكبير فى ذلك اليوم لم يفتح أبوابه للآثار فحسب، بل لذاكرةٍ حيّة نابضة. كأنّ الأهرامات تراقب أبناءها وهم يعودون إليها بعد غياب، متنوعين كما تركتهم منذ آلاف السنين: لا نسخة واحدة منهم، ولا قوالب جاهزة، بل حياةٌ تتجدّد وتختلف فى كل تفصيلة. عبقرية مصر أن زيّها مُطرّزٌ بخيوط الضوء القادم من شمسها القديمة. يعيشُ أهلُها بتجاورٍ لا بتنافر. تختلف الأصوات واللهجات، لكن اللحن واحد. مقطعٌ من نشيدها الأبدى: أنا المصرى.. كريم العنصرين.

على أبواب المتحف، حيث يلتقى الحجر بالروح، وحيث تتجاور التماثيل الصامتة مع صخب الزوار، تتأكد أن مصر لا تُعرض فى فاترينات زجاجية، بل تمشى بين الناس فى هيئة أمٍّ عظيمة تُوزّع ذاكرتها على أبنائها. وحين ينعكس ضوء الشمس على الواجهة الزجاجية للمتحف الكبير، يمدُّ الماضى يده إلى الغد، ويهمس: «أنا مصر.. لم أولد فى يومٍ واحد، ولم أرتدِ زيًّا واحدًا، لأننى كنتُ العالمَ كلَّه قبل أن يُخترَع اسمُ العالم». وفى حضرة ذلك المتحف الذى يجمع الزمان فى حجر، نهتف فى صوت واحد: كلّنا مصر.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

على أبواب المتحف كلُّنا مصر على أبواب المتحف كلُّنا مصر



GMT 11:00 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

احتفلوا بقاتله

GMT 10:59 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

أفلام حكومية.. “عطلة 3 أيام”

GMT 10:58 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

لغز اغتيال سيف…

GMT 10:57 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

ثلاث “ساعات” حاسمة: طهران.. واشنطن.. تل أبيب

GMT 10:56 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

الشرع بعيون لبنانية

GMT 10:55 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عبلة كامل... فصاحة الصَّمت

GMT 10:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عندما لا تشبه النتائج السياسات

GMT 10:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

التهمة: مُزعجٌ مثل «ذبابة الخيل»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 20:53 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع
  مصر اليوم - توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt