توقيت القاهرة المحلي 07:52:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

فى مديح «العُسر»... و«التصوُّف»

  مصر اليوم -

فى مديح «العُسر» و«التصوُّف»

بقلم: فاطمة ناعوت

لا يملك الإنسانُ أن يختار الأيام التى تُثقل قلبَه بالذكريات والوجع، أو تُفاجئه بالرموز والمعانى. فالزمن يُلقى أحيانًا على المائدة أكثر مما تحتملُ الروح. ويوم الثالث عشر من أغسطس، موعد استثنائيٌّ يراوح عندى بين الخاص والعام. فهو يوم رحيل أبى، المتصوّف النقيّ الذى علّمنى المحبة والعدل والتسامح، وهو «اليوم العالمى لمستخدمى اليد اليسرى»، ذاك الاحتفاء البسيط بسبعة فى المائة من البشر، أنا منهم، شاء الجينوم البشرى أن يسلكوا دربًا مغايرًا للغالبية. وبما أننى كتبتُ عن أبى الذى أورثنى القيم، أكتب اليومَ عن العُسْر الذين أورثهم القدر اختلافًا. فثمة خيطٌ خفى يربط بين الرجل الذى علّمنى احتضان الاختلاف، وبين انتمائى إلى طائفة وُسِمت عبر التاريخ بالاختلاف.

فى أحد المولات، شاهدتنى صبيةٌ وركضت نحوى بلهفة وعانقتنى بحب قائلةً إنها تحبُّ مقالاتى وتحتفظ ببعض كتبى وإننى مَثَلُها الأعلى. ثم لمعت عيناها فجأة وهتفت: (وكمان أنا فرحانة إنى «شولة» زيك. الأول كنت متضايقة أوى. بس لما عرفت إنك شولة بقيت فخورة إنى باشبهك فى حاجة!) سألتُها: (وليه زعلانة إنك شولة؟) قالت: (حاجات كتير مش متصممة علشانا. المقص، ساعة اليد، الحاجز الإلكترونى فى المترو، الجيتار، البيانو، الماوس، القلم الحبر، شريط القياس، مقاعد المحاضرات، بندقية الرماية، فتاحة المعلبات، الفتيس، سوستة البنطلون، ووو. بينسونا لما بيخترعوا!).

ولعل أجمل ما فى المصادفات أنها تكشف ما يغيب عن وعينا. فما منحنى أبى من دروس الصبر وقبول الآخر، هو ذاته ما جعلنى أبتسم لتلك الفتاة الصغيرة فى المول، حين احتضنتنى. هناك أدركتُ أن الاختلاف ليس نقمة، بل هو علامة على فرادة لا يدركها إلا من تذوّق مرارتها. أن تكون أعسر، هو أن تقاوم الأدوات المصمّمة ضدك لتشاكسك، كما تقاوم الصور النمطية التى تطاردك عبر اللغات والثقافات. لكن فى المقابل، هو أيضًا أن تملك فصًّا دماغيًا يميل إلى الخيال والفن والرياضيات. وهكذا، يصبح العُسْر أشبه بالغرباء الذين يزرعون الجمال فى الحقول الموحشة، ويتركون أثرًا مضيئًا فى ذاكرة العالم. ولأننى وعدتُ «مروة»، هذا اسمها، أن أفسّر لها «سر العُسر»، أكتبُ هذا لها.

يُطلقُ علينا الأمريكان فى العامية southpaw، (مِخْلَب الجنوب). لأن ملاعبَ البيسبول تُصمَّم باتجاه الشرق لكيلا تؤذى أشعةُ الغروب عيونَ اللاعبين. ولكن اللاعب الأعسر، يقذف الكرة نحو الجنوب. ويقول العِلمُ إن چين LRRTM١، هو المسؤول عن العَسَر، لأنه يُنشِّط فصَّ المخ الأيمن، المتحكّم فى نصف الجسد الأيسر. وهذا الفصُّ المُبدع هو ماكينة الخيال واللغة والرياضيات والفنون. لهذا نجد كثيرين من العُسْر، فنانين وأدباء وفيزيائيين.

ولكى لا تشعر «مروة» بالعُزلة، أخبرُها أن رائعين مثل: آينشتين، أرسطو، بيتهوڤن، نيتشه، نابليون، الإسكندر الأكبر، تشرشل، غاندى، نيوتن، مارى كورى، داڤنشى، مايكل-آنجلو، بيكاسو، كاسترو، مارادونا، ميسّى، توم كروز، آرم سترونج، بيل جيتس، ومعظم رؤساء أمريكا، وغيرهم، من العُسر. ولذلك لا عجب أن تُعلن منظمة Mensa، التى تضمُّ أذكياء العالم، أن معظم العُسر ذوو نسب ذكاء مرتفعة.

ومثلما اِشتُقَّت مفردةُ «أعسَر» من «العُسْر»، نقيض «اليُسْر»، نجد فى الإنجليزية مترادفات الأعسر left-handed، تحمل دلالاتٍ سلبيةً. منها sinistral المشتقة من الجِذر sin (خطيئة)، كأنما الأشول خطاءٌ! وفى العبرية، وبعض اللغات السامية واللهجات القديمة لبلاد ما بين النهرين، كانت «اليدُ» ترمز للقوة والسيادة، وبالتالى ترمز «اليدُ اليسرى» لسلطة الاعتقال الغاشمة، وكذلك سوء الطالع والنحس، ومسٌّ من غضب الآلهة! كذلك فى عديد اللغات الأوروبية، مثل الإنجليزية والهولندية والألمانية والفرنسية والإسبانية والبرتغالية؛ نجد مفردة «يمين» right لا تحملُ وحسب معنى السَّواء والصَّلاح والصِّحة (عكس الخطأ)، بل أيضًا معنى «الحق والعدالة». وتاريخيًّا، أنْ تكون «أيمنَ» فذلك يعنى أنك ماهرٌ. لأن الجذر اللاتينى dexter يعنى «أيمن» ويعنى «ماهر» فى آن. وفى الأيرلندية deas تعنى «يمين» وتعنى: «لطيف» أو «جميل». وفى المقابل كلمة gauche بالفرنسية تعنى «يسار» وتعنى «أخرق». والأمر ذاته فى الهولندية والبرتغالية: (له يدان يُسراوان ) يعنى أنه (أبْلَه). وفى الإنجليزية: (ذو قدمين يسراوين) يعنى فاشل فى الرقص. والحقُّ أننى وقعتُ على ما لا يُحصى من تعبيرات لليد اليسرى، فى لغات أوروبا وجنوب آسيا، تصبُّ جميعها فى النهر السلبىّ! وبالطبع لا ننسى المُحمّل السياسىّ فى كلمتىْ: (اليمين، اليسار).

وهكذا يا صغيرتى العسراء؛ مأساتُنا ليست فقط مع الأدوات «العنصرية» التى نعانى عند استخدامها، ولكن الأخطر والأقسى أن لدينا أزمة تاريخية مع المُحمّل المعرفى السيئ لمستخدمى اليد اليسرى، فنحن بالفعل «غلابة»!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فى مديح «العُسر» و«التصوُّف» فى مديح «العُسر» و«التصوُّف»



GMT 11:00 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

احتفلوا بقاتله

GMT 10:59 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

أفلام حكومية.. “عطلة 3 أيام”

GMT 10:58 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

لغز اغتيال سيف…

GMT 10:57 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

ثلاث “ساعات” حاسمة: طهران.. واشنطن.. تل أبيب

GMT 10:56 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

الشرع بعيون لبنانية

GMT 10:55 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عبلة كامل... فصاحة الصَّمت

GMT 10:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عندما لا تشبه النتائج السياسات

GMT 10:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

التهمة: مُزعجٌ مثل «ذبابة الخيل»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 07:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات
  مصر اليوم - عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt