توقيت القاهرة المحلي 07:29:30 آخر تحديث
  مصر اليوم -

في معرض الكتاب.. الروايةُ تفتحُ لي بابَها

  مصر اليوم -

في معرض الكتاب الروايةُ تفتحُ لي بابَها

بقلم: فاطمة ناعوت

هناك كتبٌ نقرأُها، وكتبٌ نكتبُها، وكتبٌ تظلُّ سنواتٍ تقف فى الظلِّ، تراقبُنا، تنتظر أن ننضجَ بما يكفى لنحتمل ثِقَلَ أوراقها. ربما هذه العبارة هى الردُّ الحاسم لكل مَن سألنى: «لماذا تأخرتِ، ولماذا دخلتِ عالمَ الرواية، بعد تمنّع امتدَّ ربع القرن قضيتِه فى دروب الشعر والترجمة والصحافة والنقد الثقافى؟» والحقُّ أننى لم أدخل «الرواية» متأخرةً، بل دخلتُها فى موعدها الخفىّ.

هذا العام، وأنا أخطو من بوابة «معرض القاهرة الدولى للكتاب»، شعرتُ أننى لا أزوره كعادتى، بل أُستَقبَل فيه. كأن المكان يعرف عنى سرًّا، ينتوى إفشاءه. سمعتُ القاعاتِ والأجنحةَ ورفوف الكتب تهمسُ لى: «الآن!» أن تكون شخصية المعرض «نجيب محفوظ»، فذلك ليس تفصيلًا بروتوكوليًا. لأن «نجيب محفوظ» ليس كاتبًا عظيمًا نحتفى به، بل زمن كامل تعلّمنا فيه كيف نحيا داخل الحكاية دون أن نُفسد الواقع. هو الذى جعل الرواية بيتًا مصريًا واسعًا، له شرفاتٌ على الفلسفة، ونوافذُ على السياسة، وسلالمُ تؤدى إلى الأسئلة الكبرى، دون ضجيج.

وأن تصدر روايتى الأولى فى عام يكون فيه «محفوظ» بطلَ معرض الكتاب، فتلك ليست إلا «فلسفة المصادفة» التى تكلّم عنها المفكر «محمود أمين العالم»، أبى الروحى وأولُ مَن نصحنى بكتابة الرواية قبل عشرين عامًا لامتلاكى «النَفَسَ السردى» على حدّ قوله، واتفق معه الناقدُ الكبير «رجاء النقّاش»، رحمهما الله. لكننى تخوفتُ من اقتحام هذا العالم المشتجّر بالحياة، أنا التى أخافُ الحياةَ أكثر مما أخافُ الموت. وظللتُ ربع قرن أكتب الشعرَ والترجمات والنقد، وأصدرتُ أربعين كتابًا، ليس من بينها روايةٌ واحدة. وحين أتممتُ روايتى الأولى هذا العام، وسلمتُها للناشر، غمرنى شعور من يضع يده الصغيرة فى يد مدينة كاملة. على أننى لم أكن يومًا بعيدة عن الرواية. كنتُ أدور حولها. أختلسُ النظرَ إليها، فإذا ما بادلتنى النظرَ، أطرقتُ، وأغمضتُ عينى خجلا. وكلما همستْ لى: «اكتبينى الآن!»، همستُ لها: «لستُ مستعدة».

ترجمتُ روايات «فرجينيا وولف» التى هشّمت الزمنَ إلى تيار وعى، و«فيليب روث» الذى أوقفَ الإنسانَ عاريًا أمام تاريخه ليفضح وصمةَ العنصرية، و«تشيمامندا نجوزى أديتشى»، التى أعادت للسرد أخلاقَه دون وعظ، و«تشينوا آتشيبى» الذى أعادَ للإنسان المُستعمَر صوتَه المسلوب، وكتب من داخل الجرح لا من شُرفته العلوية. جميع من سبقوا، جعلوا الأدبَ فعلَ استعادة ومقاومة، لا زينةً. اكتشفتُ أننى سنواتِ هروبى من الرواية، كنت أتعلّم منهم، لا فنون السرد وأسرار اللغات، بل «الشجاعة». شجاعة خوض المجهول.

أستاذى «رجاء النقاش» لم يُغوِنى بالرواية، بل صالحنى عليها، وأزال خوفى منها. وبطل حياتى «محمود أمين العالم» لم يدفعنى للرواية بوصفه ناقدًا، بل حرّضنى عليها بوصفه مناضلًا يعرف أن الأفكار لا تكتمل إلا حين تُروى.

ومع ذلك، ظللتُ أؤجّل. كنتُ أعرف أن الرواية ليست جنسًا أدبيًا، بل مسؤولية وجودية. أن تكتبَ رواية، يعنى أن تضع مخاوفك على الطاولة، دون أقنعة الشعر. غرستُ بذرة الرواية فى تُربتى منذ خمسة عشر عامًا، وتركتُها دون رِىّ. كبرتُ، وتغيّر العالمُ، وتكسّرت أوهامى وأحلامى بأن أُصلحَ العالمَ ليصيرَ أجملَ وأكثرَ عدالةً ورحمة. بينما هى، الرواية، بقيت: صامتةً، صابرةً، حتى هذا العام؛ حين شعرتُ أن بوسعى فتح الباب دون خوف. وكانت «قبو الورّاق»، روايتى الأولى التى احتفى بها النقادُ فى قاعة «ملتقى الإبداع» بالمعرض. د. «فاطمة الصعيدى»، د. «مجدى نصّار»، والشاعر «شعبان يوسف»، ونخبة من المثقفين والأدباء الذين حضروا مناقشة وحفل توقيع الرواية، حوّلوا رهبتى من اقتحام «الرواية» إلى فرح واطمئنان.

معرض الكتاب هذا العام لم يكن إذن احتفالًا بالكتب فقط، بل احتفالٌ بالمسارات الطويلة، بالنصوص التى تأخرت وهى تنتظر أصحابها. أقفُ أمام روايتى كما تقف الأمُّ أمام طفلها الأول: دهشة، خوف، وفرح لا تصفه الكلماتُ. أتذكّر كل المعارض السابقة، التى جئتُ فيها قارئة، وشاعرة، ومترجمة، وأبتسم: لم أكن أعرف أننى كنتُ أتدرّب على هذه اللحظة.

فى حضرة «نجيب محفوظ»، وفى مدينة علّمت العالم كيف تُنجَبُ الحكاياتُ، أقولُ لمكتبتى: تأخّرتُ لأن الطريقَ كانت وعرة، ولأن الرواية لا تُكتب إلا حين يحين وقتُ نزيفها. هذا العام، لم آتِ إلى معرض الكتاب لأشترى كتبًا وأقول الشعر وأوقّع دواوينى وكتبى، بل لأُخرج روايتى الأولى من عتمة الانتظار إلى ضوء الرفوف. «قبو الورّاق» ليست حكاية كتبها خفقُ قلمى، بل نصٌّ صوفىّ يحفرُ فى الذاكرة المثقوبة، حين يتحوّل القبو إلى مسرح حلول لمواجهة النسيان والاغتراب، وساحة صراع الإنسان ضد محو هويته، حيث يصبحُ الحرفُ سلاحًا، والكلمةُ دِرعًا، واللغةُ فعل مقاومة ضد الإلغاء القسرى للوجود. وأما الكتبُ فهى الحياةُ التى تنطقُ بعد صمتها الطويل.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

في معرض الكتاب الروايةُ تفتحُ لي بابَها في معرض الكتاب الروايةُ تفتحُ لي بابَها



GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 07:02 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 06:46 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 06:34 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 06:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

أوهام لبنانية

GMT 06:27 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt