توقيت القاهرة المحلي 07:53:39 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أقلامُهنَّ.. في ميزان البحث الأكاديمي

  مصر اليوم -

أقلامُهنَّ في ميزان البحث الأكاديمي

بقلم: فاطمة ناعوت

حضرتُ مؤخرًا مناقشة رسالة دكتوراة فى كلية الإعلام بجامعة القاهرة موضوعها: «العوامل المؤثرة فى خطاب كاتبات الرأى فى الصحف المصرية اليومية»، وما جذبنى فيها، ليس فقط أن جريدتى «المصرى اليوم» من بين الصحف الثلاث التى خضعت للدراسة إضافة إلى جريدة «الأهرام» و«الوفد»، ولا لأننى كنتُ من بين الكاتبات اللواتى تناولتهن الرسالة الأكاديمية، بل كذلك لأن الباحثة د. «منى عبدالرحيم»، المدرس المساعد بكلية الإعلام، قد أفردت على طاولة التشريح مباضع البحث وسلطت مصباحها الكشفى على أوراق الصحافة المصرية، لا لتحلّل خطاب كاتبات الرأى فحسب، بل لتوثّق شيئًا من معاركهن اليومية مع مجتمعٍ لايزال يرمق القلم الأنثوى بعين الريبة والدهشة.

وضعت الرسالة مجموعة مختارة من كاتبات الرأى تحت عدسة البحث العلمى لدراسة هموم المرأة الكاتبة التى تحرّك قلمها وسط طوفان الكتابة الذكورية، إن جاز أصلا تصنيف الكتابة بـ «نسوى» و«ذكورى». فأنا أؤمن بـ «وحدة العقل البشرى»، بعيدًا عن «الجندرية» التمييزية، وإن اختلفت الهموم والأولويات حسب تجربة كل إنسان وظرفه الثقافى والمجتمعى.

فى كلية الإعلام، جامعة القاهرة، كنا على موعد مع طرح جاد لقضية أظنها غابت عن كثير من الدوائر الأكاديمية: «كاتبات الرأى فى الصحافة المصرية، وملامح خطابهن المهنى والفكرى»، عبر رسالة عنوانها: «التكوين المهنى والأيديولوجى لكاتبات الرأى بالصحف المصرية، وعلاقته بخطابهن السياسى والاقتصادى والاجتماعى». الرسالة تمثل إضافة جادة إلى حقل الدراسات الإعلامية، وتعيد كتابة المرأة فى الصحافة إلى واجهة البحث العلمى، لا من زاوية النوع الاجتماعى، بل من باب التأثير الثقافى والإعلامى فى حقل «صاحبة الجلالة».

اعتمدت الباحثة منهجين متكاملين: تحليل الخطاب لعينة مقالات نُشرت عام ٢٠٢٣، إلى جانب مقابلات متعمقة مع ١٣ كاتبة رأى من الرعيل الأول والثانى، وهنّ، مع حفظ الألقاب: «أمينة النقاش»، «أمينة شفيق»، «فريدة الشوباشى»، «أمينة خيرى»، «فتحية الدخاخنى»، «ماجدة صالح»، «كريمة كمال»، «سناء السعيد»، «نادين عبد الله»، «نعمة عز الدين»، و«نيفين مسعد»، «آيات الحداد»، وكاتبة هذه السطور. وخَلُصَت الباحثة إلى أن كاتبات الرأى فى مصر لسن مجرد حبرٍ أنيق فوق الورق الأبيض، ولا هنّ زهراتٍ بريّةً تُزين خلفية المشهد، بل فى مداد أقلامهن نبضُ وطن وهموم إنسان، وآلام الأرض، ووجع نساء يكتبن ليُسمِعن من به صمم.

المنهجية صارمة، لكنها أرخت الحبل للموضوعية، فجاءت الأرقامُ شاهدة: نصفُ ما كتبته الكاتبات كان فى القضايا الاجتماعية، لأن قلوبهن معلقّةٌ بقضايا الناس. أما السياسة والاقتصاد، فتفاوت الاهتمام بهما حسب التوجه الأيديولوجى لكل كاتبة. ونالت «الكوتة النسائية» نصيبها من الجدل؛ بين من رآها تعويضًا مستحقًا، ومن اعتبرها ترفًا أو مجرد «فضفضة» مقنَّعة. وكشفت المقابلات الشخصية، تحولًا فى اهتمام الكاتبات، نحو ملف الاقتصاد والتعليم، وتنامى الوعى بقضايا النزاعات الدولية.

الموجع المرّ كان شهادات الكاتبات عن الرقابة الذاتية، والخوف من نظرات المجتمع، ومحاولة التوازن بين الشجاعة والمراوغة. فكل مقالٍ هو معركة مصغّرة فى ميدان الشرف. فالنساء إذا أمسكن القلم، لا يكتبن للترف بل للحق، لا للهوى بل للضمير.

من أجمل لحظات هذه الظهيرة العلمية الغنية، كان لقائى بأستاذتى الجميلة د. «سناء صليحة»، التى ناقشت الرسالة بموضوعية وحسم وأناقة. فمثل تلك اللحظات النادرة يسجلها الوجدان لا دفتر الحضور. هذه المبدعة والمترجمة والمثقفة الكبيرة، صاحبة الباع الطويل فى الصحافة الثقافية والتحليل المجتمعى والسياسى، وتربّت على يديها أجيال من الصحفيين والمبدعين. استمعتُ إليها بشغفٍ وهى تحلل خطاب الكاتبات بدقة الناقد، لا بعفوية المراقب. تعلمنا منها، خلال المناقشة، كيف يُبنى الحكم العلمى على المقالة الصحفية، وكيف يمكن للجملة أن تكون حيادية شكلاً ومنحازة مضمونًا. وأما أ. د. «نجوى كامل»، أستاذ الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، وإحدى رائدات البحث الإعلامى، فكانت حازمة فى طرحها، دقيقة فى ملاحظاتها، وذكّرتنا بأن الخطاب الصحفى مسؤولية مخيفة لا يجب التعامل معها باستخفاف، فالقلمُ بوسعه أن يقتل على نحو أشدّ أثرًا من النصل.

أما أ. د. «محرز حسين غالى»، أستاذ الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، والمشرف على الرسالة، وصاحب عديد الكتب فى الإعلام السياسى، فقد أعلنت الباحثة كم الرعاية التى أولاها الأستاذُ لرسالتها، خطوةً بخطوة، على مدى سنوات، ما بخل بعلمه ولا توجيهه، حتى أشرقت وخرجت للنور على هذا النحو من الثقل والصقل. وأدار النقاش بحكمة الأستاذ وتواضع العارف بقدر مُجاورتيْه على المنصّة، وحياد الراعى الذى أنبتَ زهرةً وحينما أشرقت، ترك الرأىَ فيها للناظرين.

وسط هذا الصخب الإعلامى، تظل مثل هذه الرسائل العلمية شموعًا صغيرة، تؤكد أن البحث العلمى قادرٌ على رصد نبض الحروف، وأن الصحافة ليست مهنة، بل حالة تماسّ اليومى مع الواقع، ومع الذات.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أقلامُهنَّ في ميزان البحث الأكاديمي أقلامُهنَّ في ميزان البحث الأكاديمي



GMT 11:00 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

احتفلوا بقاتله

GMT 10:59 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

أفلام حكومية.. “عطلة 3 أيام”

GMT 10:58 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

لغز اغتيال سيف…

GMT 10:57 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

ثلاث “ساعات” حاسمة: طهران.. واشنطن.. تل أبيب

GMT 10:56 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

الشرع بعيون لبنانية

GMT 10:55 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عبلة كامل... فصاحة الصَّمت

GMT 10:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عندما لا تشبه النتائج السياسات

GMT 10:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

التهمة: مُزعجٌ مثل «ذبابة الخيل»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 07:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات
  مصر اليوم - عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt