توقيت القاهرة المحلي 05:53:05 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«فيروز».. ما نجا منّا

  مصر اليوم -

«فيروز» ما نجا منّا

بقلم: فاطمة ناعوت

فى تلك اللحظات التى يضيق العالمُ بنا، ونضيقُ به، نبحث عمّا يذكّرنا بأنّ فى الإنسان بقيةً صالحة لم تُستنزَف بعد. بعضنا يلوذ بالوحدة، بعضنا يعتمرُ الصمتَ، بعضنا يقصدُ الطبيب النفسى، وفريقٌ، مثلى، نقصد «فيروز». نضغط زرَّ «إنقاذ الروح»، فيغنّى الهواءُ نغمًا ينتشلك من القنوط ويعود بك طفلا لم يعرفِ الحَزَن. صوتُها لا يعِدُنا بأن الأمور ستتحسّن، لكنه يذكّرنا بأنّنا لسنا وحدنا فى هذا العالم، وأن هناك من سقط مثلنا ونجا، وترك لنا خارطة النجاة فى أغنية.

حين يضربنى الحنينُ إلى مصرَ، ذات سفر، أذهب إلى «أم كلثوم» و«عبد الوهاب». وحين يضربنى الحنينُ إلى الإنسانية والطفولة، أُنصِتُ إلى «فيروز». وأنا لا أعرف «فيروز» من عدد الألبومات ولا من تواريخ الحفلات، بل من تلك اللحظة القديمة التى انفتح فيها الصبحُ فى بيتنا على صوتٍ يطلُّ من الراديو، فيتّسع البيتُ ليصيرَ حديقةً مترامية، ويتّسع قلبى ليغدو بمساحة الكون. منذ ذلك اليوم، صارت «فيروز» جزءًا من «الُمناخ»، مثل الضوء والهواء، لا ننتبه إليه إلا إذا اختفى.

«فيروز» ليست صوتًا جميلًا، وفقط. مَن يراها هكذا لا يعرف أين تُخزّن الروحُ براهينَها. بل هى اختبارُ الإنسان كلّ صباح: أما زال فى القلب مكانٌ للبراءة؟ أما زال فينا ما يكفى من الطيبة لنصدّق أن العالم، رغم كل شىء، قادر على أن يلمع ويشرق؟ صوتُها يختبر الجزءَ الأكثرَ رهافةً منّا، الجزء الذى يُصرّ على أن يصدّق أنّ «الخير» ممكنٌ وأن «الجمال» قائمٌ لا يذوى؛ مهما علت أمواجُ القبح فى عالم يتقاتل من أجل الصغائر. حين نسمعها نكتشف أن داخلنا طفلًا واقفًا عند النافذة، يراقب المطرَ بدهشة. طفلٌ لا يفهم السياسة، ولا يعبأ بأسعار الدولار، لكنه يوقن أن فى الغيم وعدًا وفى قطرات المطر لآلئ منثورة فى السماء.

غنّت عن الطاحونة، عن النبع، عن الطيارة الورقية، عن القمر الذى تسرقه البنات، عن النوافذ التى تنظر إلى الجبل، عن الأطفال الذين اختبأوا من الزمن ونسوا أن يكبروا. غنت لبيروت، ومصر، والقدس البعيدة، لكننا فى كل مرّة نسمع سيرتَنا نحن، لا سيرة الأماكن، ونتساءل: من أين يأتى هذا الضوء؟! أسطورية «فيروز» أنها تحوّل الجغرافيا إلى حالة شعورية. بيتها ليس فى «أنطلياس» أو فى «الروشة»، بل فى تلك المسافة الدقيقة بين القلب والذاكرة، حيث تختلط روائح القهوة بنشرات السادسة صباحًا، ويمتزجُ صوتُ الأمهات وهنّ يجهزن لنا الحقائب المدرسية بزمير بوق الباص تحت البيت، لنعرف أن يومًا جديدًا مليئًا بالفرح والمعرفة فى انتظارنا.

نحن الذين تكسِرُنا الحروبُ وتُحزِنُنا الصراعاتُ، وتُربكُ أرواحَنا الطائفياتُ والعنصرياتُ والظلمُ والمكائدُ والبغضاء، نعرفُ أن لا شىء يداوى العالم مثل الصوت الذى لا يجرح أحدًا. الصوت الذى يشبه يدًا تربّت على كتفك، لا لتهوّن عليك، بل لتذكّرك بأنك كنت يومًا طفلًا يستطيع أن يثق بهذا العالم.

عرفتْ «فيروز» كيف تكون مُحايدةً ومُنتميةً فى آن واحد؛ وتلك مَلَكةٌ نبيلة لا يملكها إلا ذوو العزم. وقفت فوق جراح الطوائف والحروب، لم ترفع سلاحًا، بل رفعت طبقة الصوت إلى «الجواب»، فهدأت حولها أصواتُ البنادق وهبطت إلى «القرار». لم تقل لنا مَن على حقّ ومن على باطل، بل سألت سؤالًا آخر: ما ثمن أن نخسر إنسانيتنا ونربح السجال؟ لهذا صارت «فيروز» مرجعًا عاطفيًّا لوطنٍ لم يعد يثق كثيرًا فى المراجع.

الأكثرُ إدهاشًا فى «فيروز» أنها تمنحك ذاكرة جديدة ليست لك. ذاكرة مدينة لم تعشْها، وطفولة لم تُخبّئ لك ألعابها، وفجرٍ لم تنتظره فى بستان يطلّ على جبل. ومع ذلك تشعر أنه كله ملكك. هكذا تعمل الأسطورة: تستعير منك جرحك، ثم تعيده إليك فرحًا وبراءة كأنك قابلت نفسك بعد غياب طويل.

نحن، الذين فتحت «فيروز» عيونَنا على أوّل فكرة عن الجمال، نحن الذين كبرنا وتغيّرت ملامحنا، ونضجت أفكارنا، مازلنا نحفظ الطبقة الموسيقية نفسها التى تدخل القلبَ وتخرج دون إذن. هذا ما يجعلها بالنسبة لنا مقياسًا للزمن: نقيس أعمارنا بكيف تغيّر معنى أغنياتها فى وعينا من مرحلة إلى أخرى.

حين منحتنى «رابطة إحياء التراث العربى» فى سيدنى الأسترالية جائزةَ «جبران للإنسانية» عام ٢٠١٤، اخترتُ أن أتقلّد وسامَ «جبران» الذهبى يوم عيد ميلاد فيروز ٢١ نوفمبر. لا أدرى ما الرابطُ بين «فيروز»، و«جبران خليل جبران». ربما الطفولة، ربما نُشدان عالمٍ أكثر جمالا وهدوءًا، لا حروب فيه ولا صراعات، ربما النزوع للمحبة التى لا تسقط، وربما لأننى ابنةٌ لصوت «فيروز»، وأدب «جبران».

فى عيد ميلادها أقول لها: أنتِ ما نجا منّا من لطف، وعذوبة وبراءة. صوتُك لم يَعِدْنا بالمعجزات، لكنه منحنا رفاهيّة أن ننهزم دون أن نسقط.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«فيروز» ما نجا منّا «فيروز» ما نجا منّا



GMT 11:00 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

احتفلوا بقاتله

GMT 10:59 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

أفلام حكومية.. “عطلة 3 أيام”

GMT 10:58 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

لغز اغتيال سيف…

GMT 10:57 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

ثلاث “ساعات” حاسمة: طهران.. واشنطن.. تل أبيب

GMT 10:56 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

الشرع بعيون لبنانية

GMT 10:55 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عبلة كامل... فصاحة الصَّمت

GMT 10:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عندما لا تشبه النتائج السياسات

GMT 10:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

التهمة: مُزعجٌ مثل «ذبابة الخيل»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 20:53 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع
  مصر اليوم - توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt