توقيت القاهرة المحلي 23:47:30 آخر تحديث
  مصر اليوم -

وأخيرًا... «الملحدُ» يواجه الجمهور

  مصر اليوم -

وأخيرًا «الملحدُ» يواجه الجمهور

بقلم: فاطمة ناعوت

وقف رجلٌ ورفع إصبعه نحو السماء، وأشار إلى القمر، ثم سأل الناسَ المتحلّقين حوله: «ماذا ترون؟»، نظر الجميعُ إلى إصبع الرجل وقالوا: «نرى إصبعك»!.

الطُرفة من الأدبيات الصينية. وهكذا نحن، كثيرًا ما نقعُ فى هذا الفخّ الصغير. ننظرُ إلى «أداة الإشارة»، ونغفلُ «المُشارَ إليه». وهذا بالضبط ما حدث مع فيلم «الملحد»، تأليف المفكر الإصلاحى «إبراهيم عيسى». حاول البعضُ قتل الفيلم، استباقًا، قبل أن يشاهده أحدٌ، وقبل أن تُفكِّك رموزَه وتُستخلص رسالتُه؛ لأنهم نظروا إلى: الإصبع/ أداة الإشارة/ عنوان الفيلم، وغفلوا، أو تغافلوا عمدًا، عن: القمر/ المُشار إليه/ مضمون الفيلم ورسالته.

لو كان الاسم وحده معيار الإدانة، لما نجا نصف التراث الإنسانى، ولما ظهر للنور عشرات الأفلام تحمل كلمة «الشيطان» فى عناوينها. ونجح «المُخرصون، المُخرسون، المُختصرون» حينًا من الدهر، ومُنع الفيلم سنواتٍ، بُحَّتْ خلالها أصواتُنا نقول ونكتب بديهة البداهات: «الفنُّ، يا جماعة الخير، لا يُحاكَم إلا فى محكمة الفن! والكتابُ يا سادة لا يقرأ من عنوانه، بل بعد الانتهاء من آخر كلمة فى آخر صفحاته». لكن أحدًا لا يسمع.
إلى أن حسم القضاءُ المصرى المثقف الجدل، وأطلق سراح الفيلم أخيرًا بحُكمٍ واعٍ باتٍّ، رفض دعاوى المطالبة بسحب ترخيص الفيلم، مؤكدًا فى حيثياته أن العمل لا يتضمن أىّ تحريض على الإلحاد أو مساس بالقيم الدينية، وأن حرية الإبداع المصونة دستوريًّا تعلو على الدعاوى التى لم تُقدّم دليلا واحدًا على مزاعمها.

شاهدتُ الفيلمَ الجميلَ أمس الأول فى العرض الخاص مع صُنّاعه ونُخبة من مثقفى مصر. وبالطبع لن أحرق أحداثَه ولن أُلخّصه. لأن تلخيص العمل الفنى فى نظرى جريمة قتل عمدى للإبداع. الفنون والإبداع خُلقت لتُشاهَد وتُقرأ، لا لتُختزل. وعلى كل حال الفيلم سوف يُعرض فى جميع دور العرض بعد أيام قليلة بدءًا من ليلة رأس السنة ٣١ ديسمبر، ليكون بمثابة هدية العام الجديد ٢٠٢٦. لكن بوسعى أن أقول إن الفيلم يناقش ظاهرة موجودة بالفعل فى مجتمعاتنا، مهما دفنا الرؤوسَ فى الرمال، ومهما تغافلنا وتعامينا عن تأملها وتحليلها. ظاهرة «الإلحاد». الفيلم يدفعك لتأمل: «السبب» قبل أن تُدين «النتيجة». قبل أن نحمل رماحَنا وسيوفَنا لنُثخن صدور الملحدين بالجراح والتنكيل، علينا أن نفتش عن المتسبب فى إلحادهم، وخروجهم من منظومة الإيمان، نحو فضاء المجهول. الفيلم لا يُروِّج للإلحاد كما زعم بسطاءُ الفكر، بل يناقش منطلقاته، مساراته، سياقاته الأسرية، أسبابه النفسية والفكرية، وعلاقته بالتطرف الدينى. الفيلم يحاول تفكيك تلك الظاهرة، لكى نضعها على طاولة التشريح تحت مجهر التأمل والتفكيك، بدلا من دفنها فى مقبرة الصمت.

فتصوروا مدى السذاجة فى مهاجمة فيلم إصلاحى يودُّ حلَّ معضلة لم يحلّها العنفُ والترويعُ، بل ربما تسبّب فيها؟! هاجمنا فيلمًا أراد أن يفهم، ونفهم معه، لماذا يصل بعض الشباب إلى حافة الرفض، واليأس، والقطيعة مع العالم، بدل أن نسأل أنفسنا: كيف وصلوا إلى هناك؟! لماذا؟ لأننا نخاف من «تشخيص المرض» أكثر مما نخاف المرض نفسه. نُفضِّلُ أن نعيش حالة الإنكار، لأنها أسهل من الاعتراف بالمشكلة وتأملها. الفن لا يخلق الظواهرَ، بل يكشفُها. لا يزرعُ الأزمات، بل يسلّط الضوء عليها. والضوءُ مزعجٌ لأنه يكشفُ الغبار، ويفضحُ التشققاتِ فى جدران كنا نظنُّها صلبة. ولهذا يُخاف منه، يُحارَب ويُطعن، بدلا من أن يُرحّب به. لصالح مَن نبنى مجتمعًا يحاكم الأفكار، ويدفنها قبل أن تولد، بدلا من الترحيب بها ومناقشتها حتى تثرى العقول؟ السؤال الذى علينا مواجهته بعد مشاهدة الفيلم هو: هل نريد ثقافة تقرأ، أم ثقافة تصرخ؟ هل نريد وعيًا يتشكّل بالحوار، أم يقينًا يتصلّب بالذعر والقمع والنفاق؟ بعدما نشاهد الفيلم سنعرف أن الإصبع الذى يُشيرُ ليس خطرًا، والقمرَ المُشارَ إليه لن يسقط فوق رؤوسنا إذا أحسنّا النظرَ إليه وتأمله.

تحية احترام للمفكر الكبير: «إبراهيم عيسى» على هذا الفيلم الجميل الذى سيكون بمثابة الضلع الثالث فى مثلث: «الضيف- صاحب المقام- الملحد». وتحية احترام للنجوم الكبار صنّاع الفيلم وضيوف الشرف: «أحمد حاتم- صابرين- محمود حميدة- حسين فهمى- شيرين رضا- أحمد السلكاوى- نجلاء بدر- تارا عماد- دُرّة، والمخرج (محمد العدل)، والمنتج (أحمد السبكى)».

أجملُ رسالة قدّمها الفيلم أشرقتْ فى نهايته. اختُتم الفيلمُ بعبارة: «اللهُ أكبر». الله أكبرُ وأجملُ من جميع تصوراتنا عنه. اللهُ أكبرُ وأجملُ من محاولات المتطرفين تشويه كلمته بغلاظة قلوبهم وتجهم ملامحهم وبلادة فكرهم. اللهُ أكبرُ وأجملُ من أن يُحاصَر فى خطاب، أو يُستعمَل عصا لإفزاع البشر. اللهُ أكبرُ من خوفنا منه، وأقربُ إلينا من كل من ادّعى أنه وكيله على الأرض. اللهُ أكبرُ، وكفى.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وأخيرًا «الملحدُ» يواجه الجمهور وأخيرًا «الملحدُ» يواجه الجمهور



GMT 18:46 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

لماذا يحتاج “الحرس الثوري” “الحزب”؟

GMT 18:43 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

التجرؤ على المال العام !

GMT 18:28 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

عودة إلى عز العرب

GMT 18:16 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

ورقة لبنان

GMT 18:11 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

هل عادت الحرب أم هو التفاوض بالنار؟

GMT 18:09 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

خبر مدهش ورد فعل مدهش

GMT 18:06 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

أعلام كفر شكر!

GMT 18:04 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

لغز مقبرة الوطاويط «TT33»

الفستان البليسيه الأبيض يتصدر إطلالات إليسا المميزة

بيروت - مصر اليوم

GMT 22:37 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

الكرملين يؤكد عدم وجود خطط لمكالمة بين بوتين وترامب
  مصر اليوم - الكرملين يؤكد عدم وجود خطط لمكالمة بين بوتين وترامب

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:29 2025 الثلاثاء ,03 حزيران / يونيو

بيراميدز يجهز مصطفى فتحي لنهائي الكأس أمام الزمالك

GMT 13:07 2025 الأربعاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

الزمالك يتمسك باستمرار المغربي محمود بنتايج ويرفض رحيله

GMT 11:15 2023 الجمعة ,01 أيلول / سبتمبر

عام دراسي يتيم في اليمن

GMT 03:17 2018 الأربعاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

طريقة سهلة لتحضير قشطة بانوفي المخفوقة بالبندق والشوكولاتة

GMT 02:44 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

علا غانم تقرر الانسحاب من رمضان وتنتقل للعيش في أميركا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt