توقيت القاهرة المحلي 23:47:30 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«ميرى كريسماس».. بأمر الحب!

  مصر اليوم -

«ميرى كريسماس» بأمر الحب

بقلم: فاطمة ناعوت

الأعيادُ ليست مناسباتٍ للتهنئة فقط، بل هى اختباراتٌ صامتة لسلام القلوب. فحين يتردّد إنسانٌ فى أن يفرحَ لفرحِ غيره، لا يكون الخلافُ عَقَديًّا، بل أخلاقيًا. لأن العجز عن مشاركة الناس فى الفرح والحزن ليس موقفًا فكريًا، بل خللٌ فى القدرة على التآخى، واضطرابٌ فى الإحساس بالآخر، وانكماشٌ فى سماحة القلب التى تسمح للإنسان أن يرى غيره شريكًا فى الوجود لا تهديدًا له. فمن يخشى فرح غيره بأعياده، إنما يهرب من «مرآة الاختلاف» التى تكشف له ضآلة عالمه، وضحالة وعيه، وانحسار مساحة ضميره الفطرى. وما يبدأ كخللٍ فى الضمير الفردى، سرعان ما يصير نمطًا عامًا فى اللغة والسلوك والتعليم، ثم بِنيةً نفسية لمجتمعٍ كامل آيلٍ للسقوط. وفى مصر، حيث يتجاور التاريخ الحضارى والدينى على نحو فريد، وحيث تعلّم الناسُ منذ آلاف السنين أن يعيشوا تحت مظلّة التعدد على ضفاف نهرٍ واحد ليشيدوا حضارة واحدة لا مثيل لها فى كتالوج الحضارات، لا يغدو هذا الخللُ تفصيلًا نفسيًا، بل يصير جرحًا فى فكرة الوطن، وشوكة فى قلب مصر.

الحكايةُ أبعدُ من الإغاظات الطائفية البلهاء التى ترمى بظلال السخافة على الأشياء، وأعمقُ من المجاملات الإنسانية الطبيعية التى تجعل الحياة ألطف وأسهل وأجمل. إنها حكايةُ وطن يريدُ أن ينهضَ ويتقدم. ومستحيلٌ أن تنهضَ أوطانٌ منقسمةٌ. مستحيلٌ أن ينهضَ شعبٌ غير متَّحدٍ على هدف واحد، هو العلوّ والتحضر والمحبة.

فى يناير ٢٠١٥، كتبتُ قصيدة: «محرابٌ ومذبح»، وأهديتها للرئيس المثقف «عبد الفتاح السيسى» حين دخل الكاتدرائية لأول مرة لتهنئة أشقائى المسيحيين بعيد الميلاد، فى بادرة رئاسية جميلة وجسورة لم يفعلها رئيسٌ مصرىّ من قبله. قلتُ فيها:

«زهرةٌ أورقتْ فى الأشجارِ اليابسة حينَ خرجَ الأميرُ من مِحرابِه حاملاً قرآنَه وقلبَه، فيصعدُ إلى مِنجليةِ المذبحِ يقرأُ سورة مريم ليباركَ الطفلَ الجميلَ فى مِزْوَدِ البَّركة، ثم ينحنى يرتّبُ هدايا الميلادِ تحتَ قدمى الصغيرِ الأقدس: ذهبًا ولُبانًا ومُرًّا، فتبتسمُ الأمُّ البتولُ وتمسحُ على جبهةِ الأميرٍ هامسةً: طوباكَ بين الرجالْ أيها الابنُ الطيبُ، فاجلسْ عن يمينى واحمل صولجانَ الحكم وارتقِ عرشِ بيتى وارفعْ رايتى عاليةً بين النساءْ، وعلّمِ الرعيةَ كيف يحتضنُ المحرابُ المذبحَ، وكيف تتناغمُ المئذنةُ مع رنينِ الأجراسْ، وارشدْ خُطاهم حتى يتبعوا النَجمَ الذى سيدلّهم على الطريق إلى أرضِ أجدادِهم الصالحين بُناةِ الهرم؛ فإذا ما وصلوا إلى ضفافِ النيلْ أوقدوا الشموعَ فى وهجِ الصبحِ حتى تدخلَ العصافيرُ عند المساءْ أعشاشَها بعدما تبذرُ القمحَ والشعيرَ والسوسنَ على أرضِ طِيبةَ كلِّها، فلا ينامُ جائعٌ جائعًا، ولا محرومٌ يبقى محرومًا، ولا بردانٌ بردانًا ينامُ ليلتَه، ولا حزينٌ يجنُّ الليلُ على عينيه دونما يدخلُ قلبَه الفرحُ».

والحق أن الصورة الأصدق لمصر لا تُلتقط من ضجيج الهوامش، بل من هدوء المتن؛ من ذلك المشهد المتكرّر كل عام، حين تمتلئ الكاتدرائية المصرية بآلاف المصريين الأشقاء لا تمييز فيهم المسلم من المسيحى. أصدقاء وجيران وزملاء عمل، يتبادلون التهانى بالعام الجديد وعيد الميلاد المجيد، فى لوحة بانورامية مشرقة بالفرح الإنسانى المتحضر. فى هذا المشهد السنوى تتكثّف فكرةُ الوطن بلا خطابة: الناسُ يسألون بعضهم البعض عن الصحة، عن الأولاد، عن العام الذى مضى، وعن العام الجديد والأحلام التى توشك أن تتحقق فيه. هكذا تُبنى الأوطانُ: لا بالشعارات ولا بالمزايدات، بل بالعلاقات اليومية الصغيرة، بالابتسامة فى وجه أخيك، بالتهنئة الصادقة، وبالقدرة الطبيعية على الفرح للآخرين. أما ما يبدو على صفحات التواصل من تراشقات عقدية وملاسنات طفولية ساذجة، فهى محض استثناء شعبوى صاخب فى بحر من التعايش الهادئ المثقف. فالمجتمع المصرى، فى جوهره، لم يفقد بوصلته الأخلاقية، ولم يتخلَّ عن حسّه الإنسانى، ولم ينسَ كيف يحتفل بالحياة. لكنه، شأنه شأن جميع المجتمعات، يحمل بعض الضجيج الشعبوى الذى يبدو أعلى من حجمه بسبب علو صوته. أما المتن الصامت المتحضر الجميل، فهو الأوسع والأرسخ والأبقى والأفعل: يعمل، يحب، يفرح، ويبنى... دون إعلان.

مصرُ هى الأَولى لأن تقول: «ميرى كريسماس» لكل شعوب العالم. مصر التى استقبلت المسيحَ طفلا فوق ذراعى أمِّه البتول، عليهما السلام. الطفل المقدّس الذى صار رسولَ السلام للإنسانية «يجول يصنع خيرًا»، وطوّبه اللُه بالسلام عليه: «يومَ وُلِد ويومَ يموتُ ويم يُبعثُ حيّا». أرضنا الطيبة كانت لتلك العائلة المقدسة «ربوة ذات قرار ومعين». مشت عليها عذراءُ الفضيلة؛ فتفجّرت تحت قدميها عيونُ الماء، وشقشقت زهورُ البيلسان، فامتلأت مصرَ بنورٍ لا يخبو وخصبٍ لا يبور. «ميرى كريسماس» يا مصرُ، وشعبُكِ فى رباطٍ إلى يوم الدين، ولو كره الكارهون. «الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن».

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«ميرى كريسماس» بأمر الحب «ميرى كريسماس» بأمر الحب



GMT 18:46 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

لماذا يحتاج “الحرس الثوري” “الحزب”؟

GMT 18:43 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

التجرؤ على المال العام !

GMT 18:28 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

عودة إلى عز العرب

GMT 18:16 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

ورقة لبنان

GMT 18:11 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

هل عادت الحرب أم هو التفاوض بالنار؟

GMT 18:09 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

خبر مدهش ورد فعل مدهش

GMT 18:06 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

أعلام كفر شكر!

GMT 18:04 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

لغز مقبرة الوطاويط «TT33»

الفستان البليسيه الأبيض يتصدر إطلالات إليسا المميزة

بيروت - مصر اليوم

GMT 22:37 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

الكرملين يؤكد عدم وجود خطط لمكالمة بين بوتين وترامب
  مصر اليوم - الكرملين يؤكد عدم وجود خطط لمكالمة بين بوتين وترامب

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:29 2025 الثلاثاء ,03 حزيران / يونيو

بيراميدز يجهز مصطفى فتحي لنهائي الكأس أمام الزمالك

GMT 13:07 2025 الأربعاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

الزمالك يتمسك باستمرار المغربي محمود بنتايج ويرفض رحيله

GMT 11:15 2023 الجمعة ,01 أيلول / سبتمبر

عام دراسي يتيم في اليمن

GMT 03:17 2018 الأربعاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

طريقة سهلة لتحضير قشطة بانوفي المخفوقة بالبندق والشوكولاتة

GMT 02:44 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

علا غانم تقرر الانسحاب من رمضان وتنتقل للعيش في أميركا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt