توقيت القاهرة المحلي 00:00:13 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ليتنا نكونُ صادقين وشرفاءَ!

  مصر اليوم -

ليتنا نكونُ صادقين وشرفاءَ

بقلم: فاطمة ناعوت

عنوانُ المقال من كلمة الرئيس «السيسى» فى احتفالات عيد الشرطة: «ليتنا نكون مسلمين ومسيحيين صادقين وشرفاءَ نُتقن العمل ونحب الوطن!» وقال إن الدولة تقف على مسافة متساوية من جميع العقائد، وحتى مَن فاتته معرفةُ الله، له كاملُ الاحترام من دولته. وتلك بديهةٌ. فالدولة لا تُصلّى، بل تحمى حقَّ الصلاة. الدولةُ لا تؤمنُ، بل تحمى حقَّ الإيمان، وحقَّ عدمه كذلك. بكل بساطة: السماءُ لله، والأرضُ والدول للعدل، والعمل، والعقل.

هذه البديهيات التى يقولها الرئيسُ منذ بداية حكمه قولا وفعلا، هى ما يقوله المستنيرون منذ دهور. وهو ذاتُ الكلام الذى بُحَّ صوتى ونفد مدادُ قلمى وأنا أردده منذ ربع قرن فى كتبى ومقالاتى ولقاءاتى، فما كان نصيبى إلا التكفيرُ، والاغتيالُ الأدبى والمعنوى، والملاحقات القضائية والحكم بالسجن، والاغترابُ عن وطنى، والإقصاء، والحرمانُ من حقوقى الأدبية!! تلك البديهياتُ يُدركها أى طفل فى الدول المتحضرة التى استثمرت فى تعليم أبنائها بحق. من العيب ومن العجب أن نظلَّ نكررها كأنها ابتكاراتٌ تُدهشنا حين نسمعها. وبدلا من أن تأخذ مساحتَها على أرض التنفيذ، ونتجاوزها للأرقى فنبتكر وننتج ونخترع ونبدع، نصحو فى اليوم التالى لنعيد ترديدها، ونستعيد الدهشة منها من جديد، ثم ننساها!

ما قاله الرئيسُ السيسى حول حقوق المواطنة وحرية العقيدة، وما نقولُه منذ عرفنا الكلام، هو بالضبط مفهوم «الدولة المدنية»، والتعريف الأصدق للعلمانية. «العلمانية»، التى ما زال اسمُها يُثير الهلعَ فى عقول البسطاء، بعدما شيطنَها الكذبةُ الأفاقون، ليست إلحادًا، ولا حربًا على الدين، بل هى تحريرٌ للدين من السُّلطة، وتحريرٌ للإنسان من الوصاية. «العلمانية» هى أن يستقرَّ الإيمانُ فى القلب، ويعلو القانونُ فى المجال العام، ويُقاس البشرُ بأفعالهم وإنجازاتهم، لا بانتماءاتهم العَقَدية. الدولة المدنية والعلمانية، ليستا بدعة غربية، ولا مؤامرة على الإيمان، كما يظن البسطاءُ الذين تشوّهت معارفُهم بفعل الأدعياء المخادعين، بل هما ضرورةٌ تاريخية حين تتعدد الأديانُ، وتتشابك المصائرُ، ويصبح العيشُ المشترك مسألةَ بقاءٍ لا ترفًا فكريًّا. ببساطة: أن يتسيَّدَ القانونُ فى المجال العام، وأن تظلَّ العقيدة شأنًا حرًّا فى المجال الخاص. لهذا قال الفيلسوف الإنجليزى «جون لوك»: «الدولة لا شأن لها بخلاص الأرواح، بل بحفظ الحقوق المدنية». وتلك قاعدةُ بناء مجتمع قابل للحياة.

تلك بديهياتٌ لم يعُدِ العالمُ يناقشها، لا فى العالم الأول، ولا فى معظم الدول العربية. فقط فى مصر مازلنا نلوكها عامًا بعد عام وعقدًا بعد عقد. لماذا؟ لأن بمصرَ مَن يريد لها أن تظل تدور حول نفسها ولا تتقدم. أنا مسلمةٌ؛ لكن إسلامى علاقةٌ شخصية بينى وبين خالقى، لا بطاقةَ تعريفٍ ولا سلاحًا ألوّحُ به فى وجه الآخرين. والمسيحى كذلك، واليهودى، والبهائى، والبوذى، والكونفوشيوسى والطاوى والهندوسى، واللادينى واللاأدرى والملحد. جميعهم، بلا استثناء، مواطنون فى دولهم؛ لهم كاملُ الحقوق وعليهم كاملُ الواجبات. هل تراه كلامًا بديهيًّا يا عزيزى القارئ المثقف؟ نعم هو كذلك. ولماذا نكتبه مادام بديهيًّا؟ لأننا يا عزيزى مكتوبٌ علينا أن نقضى أعمارَنا فى قول البديهيات، مادامت تثيرُ الدهشة، ولم تتحول بعد إلى واقعٍ حى نعيشه ببساطة ودون عنت! فى الدول التى سبقتنا حضاريًا، وفى الخليج وعديد الدول العربية، يُعدُّ سؤال: «ما دينك؟» تعدّيًا فجًّا على الخصوصية، وقد يُعرّض السائلَ للمساءلة القانونية. أما عندنا، فما زال السؤال يُطرح بتبجح وبلا خجل، وكأن الدين جوازُ مرور اجتماعى، لا شأنٌ روحى! ومازال المفكرون يلاحَقون ويُسجنون دون جريرة!

والقرآنُ الكريمُ ذاتُه حسمَ المسألة، بلا مواربة: «لا إكراه فى الدين». هذه ليست آية تسامح عاطفى، بل مبدأ فلسفى صارم، ينفى عن الإنسان حقَّ السيطرة على ضمير إنسان آخر. فأى دولة، وأى جماعة، وأى فرد، يملك بعد ذلك حقَّ التأله على الله، والتفتيش فى القلوب؟!

فقط فى بلادنا، تحوّلت سوشيال ميديا إلى ساحات قتال، لا إبداع. شتائمُ بدل القصائد، تكفيرٌ بدل اللوحات، تنمّر وبذاءات بدل الأفكار والابتكارات. بينما العالمُ من حولنا يتقدّم ويخترع، يبتكر ويعالج الأمراض، ويرتقى سُلّمَ الحضارة، بلا التفات إلينا!

لسنا بحاجة إلى إعادة تعريف المُعرَّف، بل إلى شجاعة التطبيق. أن نفهم أن الدولة لا تُدخل الجنة ولا النار، وأن حساب الضمائر ليس من اختصاص الحكومات والجماعات والبشر، بل شأنُ الله وحده. وبحجم ما نُحرّرُ الإيمانَ من السُّلطة، ونُحرّر السُّلطةَ من الإيمان، نُنقذ الاثنين معًا: نحمى الدينَ من الابتذال، ونحمى الدولةَ من الانهيار. ليتنا نكون صادقين وشرفاءَ فعلًا، لا شعارًا. ليتنا نُتقن العملَ لا الوعظ والوصاية. ليتنا نحبُّ الوطن بما نُنتجه له، لا بما نزايد به عليه. فالأوطان لا تُبنى بالتكفير والوصاية، بل بالعمل والإبداع.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ليتنا نكونُ صادقين وشرفاءَ ليتنا نكونُ صادقين وشرفاءَ



GMT 11:00 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

احتفلوا بقاتله

GMT 10:59 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

أفلام حكومية.. “عطلة 3 أيام”

GMT 10:58 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

لغز اغتيال سيف…

GMT 10:57 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

ثلاث “ساعات” حاسمة: طهران.. واشنطن.. تل أبيب

GMT 10:56 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

الشرع بعيون لبنانية

GMT 10:55 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عبلة كامل... فصاحة الصَّمت

GMT 10:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عندما لا تشبه النتائج السياسات

GMT 10:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

التهمة: مُزعجٌ مثل «ذبابة الخيل»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 20:53 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع
  مصر اليوم - توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt