توقيت القاهرة المحلي 18:24:24 آخر تحديث
  مصر اليوم -

بين القمحِ والفكر... شكرًا د. «حسام بدراوى»

  مصر اليوم -

بين القمحِ والفكر شكرًا د «حسام بدراوى»

بقلم: فاطمة ناعوت

ما بين رؤوس القمح التى تحاكمنى، وبين أصوات الفكر التى تساندنى، جاء صوتُ الدكتور «حسام بدراوى» ليمنح أحدث كتبى بُعدًا أعمق. لم تكن مقدمته تصديرًا تقليديًا لكتاب، بل مرافعة فكرية وإنسانية وإصلاحية، كتَبها عقلٌ كبير، وقلبٌ صوفى التكوين.

فى مقدمته لكتابى «محاكمة القمح... حوارٌ مع صديقى المتطرف» الصادر مؤخرًا عن مكتبة مدبولى، لم يكتفِ الدكتور «بدراوى» بتحليل النصّ، بل قرأه بعين القلب قبل قلم النقد، مقدّمًا قراءة شفيفة التقطت من استهلال الكتاب جذور انتمائى إلى عائلةٍ صوفية التوجّه، ترى فى تعدد سبل الإيمان بالله تجلياتٍ متباينةً لإلهٍ واحد، لا مدعاةً للفُرقة والشقاق والاقتتال والتناحر.

ولم يغفل عن زهرة حياتى، ابنى «عمر»، فنّانى الصغير على طيف التوحد، الذى أهديتُ له الكتابَ، مثلما أهديتُ له قلبى وعُمرى. لمس «بدراوى» هذا الإهداء بكلماته، فاحتفى بـ«عمر» كما احتفى به الشرفاءُ فى حياتى، بكلماتٍ دافئة أضاءت قلبى وأكّدت لى أن المعركة الفكرية مازالت تجد حلفاءَ نبلاء لا يخافون الوصم، ولا يُغريهم الصمت.

حين طلبتُ من الدكتور «حسام بدراوى» كتابة تصدير لهذه الطبعة الجديدة، لم أندهش من غوصه فى النص بهذا العمق، والتقاط الإشارات الوجدانية والفكرية التى نسجتُها على مهلٍ كمن يخطّ رسائلَ فوق صفحة نهر.

الكتاب، فى طبعته الأولى، كان بعنوان «حوار مع صديقى المتطرف» صدر خلال ذروة معاركنا القاسية مع فصيل الإخوان والتكفيريين، وها هو يعود اليوم باسم «محاكمة القمح» بعد عشر سنوات، وكأننا، فى عمقنا الجمعى، لانزال ندور فى الدوامة ذاتها، رغم محاولات الإصلاح الفكرى من القيادة السياسية الحكيمة المتمثلة فى شخص الرئيس «السيسى».

كتب «حسام بدراوى» فى مقدمته أن مهمته لم تكن سهلة، كما تخيّل، بل وجد نفسَه أمام نصّ حى بكل جراحه لم يَشِخ، ومواجهةٍ لم تُحسم. فرياح التكفير والتخوين مازالت تهبّ، وكأننا نسير فى طريقٍ رملى، نتعثّر كلما حاولنا النهوض!

قال فى مقدمته إن قضايا الكتاب، الذى حظى بانتشار واسع عند صدوره الأول، لم تَبلَ، بل تُطلّ برأسها رغم مرور الزمن، وإن قرار الإبقاء على النص كما هو، دون تعديل، كان خيارًا مقصودًا يعكس مواجهة واقع مازال يتطلب التغيير؛ رغم ثمار الإصلاح. كما لفت إلى ما نتعرض له، حتى اليوم، من اتهامات جاهزة من تيارات لا تقرأ، بل تقتات على التحريض والتكفير، وتُهاجم كل من يجرؤ على التفكير أو مساءلة المألوف. وتساءل إن كانت الصداقة ممكنة مع شخص متطرّف، ثم بيّن أن «الصديق المتطرف» ليس شخصًا، بل رمزٌ لفكرةٍ كامنة، وصوتٍ داخلى لا لوجهٍ خارجى. واختتم بالإشارة إلى أن الكتاب يحوى أكثر من تسعين مقالًا، كل واحد منها يستحق وقفة وتأملًا، حتى كاد التقديم نفسه يتحوّل إلى كتابٍ موازٍ.

توقف المفكر الكبير عند أهمية الاتفاق على المصطلحات قبل أى حوار عقلانى: «ديمقراطية، علمانية، عقيدة، مواطنة»... كلماتٌ نقاتل باسمها، دون أن نتفق على معناها؛ مشيرًا إلى أحد فصول الكتاب قلتُ فيه: «سيولة المصطلحات وارتباك اللغة والمفاهيم والتعاريف لدى البعض، إضافة إلى تسييس الأفكار الفلسفية المطلقة، أحد أهم أسباب الصراع الفكرى فى مجتمعاتنا». واستشهد بعدد من مقالاتى التى واجهتُ فيها «الصديق المتطرف» بالعقل والمنطق، وذكّر بأنّ جوهر الأديان جميعًا هو الجمال، والرحمة، والعدل، لا الوصاية، ولا القتل، ولا التكفير.

وفى لفتة شاعرية، اختار «بدراوى» أن يختم مقدمته الطويلة الأنيقة باقتباس من خاتمة الكتاب، من ذلك الفصل الحُلمى الذى تخيلتُ فيه سنابل القمح قد عقدت لى محاكمة، تسألنى فيها عن معنى الوطن، ومآلات المطاردة، وشيوخ القبيلة الغلاظ، والسجن. فكانت إجاباتى أقرب إلى مناجاة للحق والخير والجمال، يتجسد فيها حُلمى بعالم نقى لا كراهية فيه ولا بغضاء ولا ظلم ولا ظلام.

لهذا يقول «بدراوى» إنه لمح فى كلماتى «حزنًا دفينًا وألمًا متجددًا»، وتمنى أن أستطيع تجاوزه. وأقولُ له: نعم، حزنى لم ينطفئ، لكنه لا يُطفئ جذوة الأمل، وألمى لا يُنكر، لكنه لم يصبنى باليأس. فالحياة تستحق المقاومة، والوطن يستحقُّ النضال، والأملُ قائمٌ لأن العقول الواعية لا تصمت.

ما فعله الدكتور «حسام بدراوى» لم يكن تقديمًا لكتابى، بل شراكة فى رسالته. شهادةٌ حيّة على ضرورة أن نفتح الأذهان، ونغسل القلوب، ونتجرّأ على التفكير، لأن القمح لا ينمو إلا فى أرضٍ حرّة يحميها «الحالمون بالغد».

شكرًا للدكتور «حسام بدراوى»، الذى لم يكتب مقدمة، بل منح الكتاب روحًا ثانية بكتابته مرافعة فكرية، وقراءة صوفية لمناخ الكتاب. وشكرًا لمكتبة مدبولى، التى رأت أن إعادة طباعة هذا العمل ليست تكرارًا للماضى، بل ضرورة للحاضر، ومساهمة فى صناعة المستقبل.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بين القمحِ والفكر شكرًا د «حسام بدراوى» بين القمحِ والفكر شكرًا د «حسام بدراوى»



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt