بقلم:عزة كامل
كانت حالة الطقس كئيبة، والهواء يحمل رائحة الرطوبة والموت، السحب رمادية مثل قطع ممزقة تحمل للعين إحساسا بالتوتر، مدت بصرها إلى الطريق الذى يمتد إلى ما لا نهاية، لا شىء أمامها إلا أطلال البيت المرتفع، البيت الذى قضت فيه ثلاث نساء حياتهنّ معاقبات، منفيات، جدتها لأبيها وعمتها وأمها.
كان الغروب الذى انقضى لتوه أسوأ غروب يمكن أن تمرّ به، لم تستطع تحمل تلك اللحظة، كورت يدها على فمها، وأدارت عينيها تجاه الجانب المقابل، كان الغفير يدك كوم التراب فوقه، بينما المقرئ يتلو آيات من القرآن، لم يكن هناك مشيعون، كان عليها عبور ذلك الطريق القديم داخل الحقول المنبسطة، شعرت أنها خائفة ووحيدة عندما نظرت الأشجار، ورأت سربًا من الغربان ينعق كأنه فى حداد، عندما وصلت كانت قدماها مقروحتين من نتوءات الطريق، وقفت أمام باب المنزل الخشبى القديم قليلا، وترددت فى الدخول، ثم دفعته فأصدر صريرًا مزعجًا، كان الظلام سائدًا ورائحة العطونة والرطوبة كانت تملأ المكان، أشعلت الكهرباء، بدا المنزل كأنه مهجور، زجاج النوافذ مكسور، وأرضية الفناء الخشبى مشققة، نمت فيها بعض النباتات، وانتثرت فيها بعض الأحذية الملطخة بالطين، ارتعشت عندما وقع بصرها على باب الحجرة الحديدى فى الركن الأيمن، تلك الحجرة المظلمة التى حبسها فيها أبوها كثيرًا وهى مقيدة فى أحد الأعمدة وكانت تمثل أداة العقاب لمن يعصى أوامره، أخر مرة امتد الحبس لستة أشهر لأنها قررت أن تنزل من المرتفع إلى الوادى الواسع، حيث بيوت القرية لتلعب مع أولاد الجيران الذين كانوا يتلصصون على بيته من الحين للآخر، فما كان منه إلا أن ربطها بحبل، وجرجرها بشكل مهين وهو يكيل لها الضربات أمام الأولاد، ولم يرحم توسلاتها، وعندما وصلا إلى المنزل حبسها فى حجرة العقاب، بعدها سمعت صرخات أمها لأنها نالت منه عدة ركلات فى بطنها، وبعدها استمرّت سلسلة من أنواع التعذيب لها هى وأمها التى كان يعاملها كخادمة هى وأخته، وعزلهن عن العالم، وأصبحن أجساد بلا أرواح، ماتت العمة من القهر والحزن دون أن تطرف له عين، أما أمها فقد أصابها المرض، ورحلت دون أن تودعها، فقد كانت معاقبة فى الغرفة وقت موتها، استطاعت أن تهرب بعد أن خططت لذلك عدة شهور منتهزة مرضه المفاجئ بنزلة برد حادة فتحت الباب وركضت بكل ما تملكه من عزم حتى اختفت من المكان، وها هى تعود لتشاهد نهاية هذا الكابوس.