توقيت القاهرة المحلي 09:45:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

كرامةُ المعلِّم... ـة

  مصر اليوم -

كرامةُ المعلِّم ـة

بقلم: فاطمة ناعوت

فى «كوريا الجنوبية»، يُنظَر إلى المعلّم بوصفه حجر الأساس فى بناء الأمة، ويُعامل باحترام مجتمعى وإجلال، لأن التعليم هناك ليس خدمة، بل مشروع وطنى. وفى «اليابان»، يُدرَّب الأطفالُ على الانحناء لمعلميهم قبل تعلّم الأبجدية. فى جميع الدول التى وثبت علميًّا واقتصاديًّا، يُعامَل المعلّمُ بإجلال كونه «صانعَ مستقبل، وصانع حضارة». المعلّمُ هو أوّلُ ضابطٍ فى جيش القيم. وأوّلُ قاضٍ فى محكمة الضمير. وأوّلُ فنانٍ يرسمُ على لوحِ الطفولةِ ملامحَ الإنسان.

هكذا تربينا منذ طفولتنا على توقير المعلم. وكنتُ، وأنا طالبة فى «هندسة عين شمس» ألتقى فى الطريق مصادفةً بإحدى معلماتى فى مدرستى الابتدائية القريبة من الحرم الجامعى. فأسرعُ بخطاى وأنحنى لها، وأقبّل جبينها، ولولا الحياء لقبّلتُ يدَها. وأحيانًا يهاتفُنى معلّمُ الرياضيات فى مرحلتى الثانوية ليناقشنى فى أمرٍ ما، فإذا بادرنى بكلمة: «أستاذة فاطمة»، أقاطعه فورًا: «لا من فضلك! غير مسموح بتبادل الأدوار. لا أستاذَ هنا سواك!».

وحدَه من علّمك الحرفَ والكلمةَ والمعادلةَ والحكمة والقيم والأخلاق، يمتلكُ مفتاح قلبك ويحقُّ له الدخولُ دون استئذان، فهو أحدُ الذين شكّلوا وعيَك لكى تتعرّفَ على العالم وتصيرَ مَن أنت عليه الآن. جميعُ مَن علّمونى، لهم علىّ دَينٌ لا ينقضى أجلُه، ولا يُستوفَى. ولذا، فإنّ أىّ اعتداءٍ على «معلّمٍ»، وإن كنتُ لا أعرفه، هو طعنةٌ نجلاء فى قلبى، وفى قلبِ الوطن. فالمعلم هو شرفُ الدولة، وكرامتُه مسألةُ أمن قومى. لأن العلمَ هو المِعولُ القادرُ على هدم الظلام والرجعية والخرافة، وهو صانعُ الرفاه. انظر حولك لترى تجلياتِ العلم وثمارَه فى كل ما تقع عليه عيناك. لولا العلم ما قرأتَ كلماتى فى جريدة صنع طابعتَها وأوراقَها العلمُ، بنظارةٍ صنع زجاجَها وقياساتِها العلمُ، وأنت جالسٌ على مقعدٍ صنعه العلم، فى بنايةٍ صنعها العلمُ، ولا تنتهى الدائرة.

هذا المقال ليس «تحيةً» للمعلّم. فلم يحن بعدُ «اليومُ العالمى للمعلم» الذى يحلُّ يوم ٥ أكتوبر من كل عام. لكنه «اعتذارٌ» عن واقعة موجعة تخزُ القلبَ بشوكة الألم على وطن صنع أول حضارة فى التاريخ تأسست على العلم وتوقير المعلم. فى حضارتنا المصرية القديمة، احتلَّ المعلمُ مرتبة عالية فى هرم السلطة الفكرية والسياسية. لم يكن مجرد ناقل للمعرفة، بل حارسٌ لعقد الحضارة، حاملٌ مسؤولية صوغ القوانين، وحفظ الثقافة، وغرس القيم. لهذا لا يُقبَل أن يُهان معلمٌ فى دولة أجلّت العلمَ مثل مصر. فما بالك حين تُهانُ «معلّمةٌ»؟! هنا تُضافُ إلى جريمة إهانة المعلم، جريمةُ إهانة المرأة، فى دولة جعلت من المرأة ملكةً وربّة للفضيلة والعدالة والضمير، وجعلت لقانون الأخلاق الأول فى التاريخ اسم امرأة: «ماعت»، ترى صورتها محفورة على جدران محاكم العالم: سيدة جميلة معصوبة العينين تحمل ميزان العدالة والضمير.

الواقعةُ مخيفة: التعدى على معلمة أثناء أداء دورها التربوى!! وممن؟ من وليّات الأمور! ربما ليست الواقعة الأولى من نوعها بكل أسف ومرارة، لكنها الواقعة الموثقة بفيديو صوت وصورة منتشر على صفحات سوشيال ميديا. المعلمة المحترمة رفضت السماح بالغش فى لجنتها، فانقضت عليها أمهاتُ الطلاب وركضن خلفها يردن الفتك بها! ولولا تدخل الأمن لافترسنها! لن أسأل كيف سُمح للأمهات بدخول المدرسة أثناء الامتحان ولا كيف صعدن إلى فصول اللجان، فتلك أسئلة أمنية يباشرها التحقيق. لكن السؤال هو: كيف لأمهات فضليات يرجون لأبنائهن مستقبلا مشرقًا، وهنّ لا يحترمن مَن يقومون على العملية التعليمية التى تصقل عقول أبنائهن؟! شىء لا يُصدق! لكن الأكثر ألمًا هو أن تلك الأمهات «الغافلات»، لكيلا أستخدمُ لفظًا غيرَ مهذب، لم يكتفين بالمطاردة والملاحقة ومحاولة الاعتداء الجسدى على المعلمة، بل تعدين عليها باللفظ الجارح والسباب المهين، وأطلقن فى وجهها لعنات طائفية تزدرى دينها؛ كونها مسيحية!.

المشهد ينتمى إلى مسرح العبث والكوميديا السوداء المخيفة. تعالوا نحلّله. المعلمة رفضت السماح بالغش. والغشُّ لعنةٌ تصيبُ مستقبل المجتمع فى مقتل. فالطبيب الفاشل والمهندس الفاشل هما نتاجُ الغشّ. وفى أدبياتنا الإسلامية: «مَن غشّنا ليس منّا». وبناء عليه فهذه المعلمة يجب أن تُكرّم وتُمجد لأنها منعت آفة أخلاقية ومجتمعية وتربوية ودينية. لكنها لم تُكرم بل لوحقت يُرادُ النيلُ منها جسديًّا! وممن؟ من أمهات المفترض لهن أن يحرصن على تعليم أبنائهن وتهذيبهم!.

جهات التحقيق تباشر الواقعة المشينة، وقيل إن المعلمة الفاضلة تنازلت عن الشكوى ربما لئلا تثير الفتن أو تجنبًّا لتداعيات سخيفة تهدد أمنها أو لأى سبب كان. لكننا نحن المجتمع المصرى، لن نتنازل عن حقها وحق كل معلم شريف يبرّ بقسم الحفاظ على القيم، ونطالب بحق الكرامة العامة التى تُخدشُ لو مسَّ المعلمَ ما ينالُ من كرامته. ومن جانبى أقبّلُ جبينَ تلك المعلمة الجميلة، وأعتذرُ لها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كرامةُ المعلِّم ـة كرامةُ المعلِّم ـة



GMT 09:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

GMT 09:44 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

العالم جُنّ.. التكنولوجيا دمرت الأخلاق

GMT 09:41 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ولم تطرف له عين

GMT 09:39 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

داخلين على لجنة

GMT 09:37 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

من أجل المريض المصري.. أوقفوا هذا العبث

GMT 09:35 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ستضرب الولايات المتحدة إيران؟

GMT 09:33 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

مصر وتركيا

GMT 09:29 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

الإعلام الغائب

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt