توقيت القاهرة المحلي 23:56:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

كرامةُ المعلِّم... ـة

  مصر اليوم -

كرامةُ المعلِّم ـة

بقلم: فاطمة ناعوت

فى «كوريا الجنوبية»، يُنظَر إلى المعلّم بوصفه حجر الأساس فى بناء الأمة، ويُعامل باحترام مجتمعى وإجلال، لأن التعليم هناك ليس خدمة، بل مشروع وطنى. وفى «اليابان»، يُدرَّب الأطفالُ على الانحناء لمعلميهم قبل تعلّم الأبجدية. فى جميع الدول التى وثبت علميًّا واقتصاديًّا، يُعامَل المعلّمُ بإجلال كونه «صانعَ مستقبل، وصانع حضارة». المعلّمُ هو أوّلُ ضابطٍ فى جيش القيم. وأوّلُ قاضٍ فى محكمة الضمير. وأوّلُ فنانٍ يرسمُ على لوحِ الطفولةِ ملامحَ الإنسان.

هكذا تربينا منذ طفولتنا على توقير المعلم. وكنتُ، وأنا طالبة فى «هندسة عين شمس» ألتقى فى الطريق مصادفةً بإحدى معلماتى فى مدرستى الابتدائية القريبة من الحرم الجامعى. فأسرعُ بخطاى وأنحنى لها، وأقبّل جبينها، ولولا الحياء لقبّلتُ يدَها. وأحيانًا يهاتفُنى معلّمُ الرياضيات فى مرحلتى الثانوية ليناقشنى فى أمرٍ ما، فإذا بادرنى بكلمة: «أستاذة فاطمة»، أقاطعه فورًا: «لا من فضلك! غير مسموح بتبادل الأدوار. لا أستاذَ هنا سواك!».

وحدَه من علّمك الحرفَ والكلمةَ والمعادلةَ والحكمة والقيم والأخلاق، يمتلكُ مفتاح قلبك ويحقُّ له الدخولُ دون استئذان، فهو أحدُ الذين شكّلوا وعيَك لكى تتعرّفَ على العالم وتصيرَ مَن أنت عليه الآن. جميعُ مَن علّمونى، لهم علىّ دَينٌ لا ينقضى أجلُه، ولا يُستوفَى. ولذا، فإنّ أىّ اعتداءٍ على «معلّمٍ»، وإن كنتُ لا أعرفه، هو طعنةٌ نجلاء فى قلبى، وفى قلبِ الوطن. فالمعلم هو شرفُ الدولة، وكرامتُه مسألةُ أمن قومى. لأن العلمَ هو المِعولُ القادرُ على هدم الظلام والرجعية والخرافة، وهو صانعُ الرفاه. انظر حولك لترى تجلياتِ العلم وثمارَه فى كل ما تقع عليه عيناك. لولا العلم ما قرأتَ كلماتى فى جريدة صنع طابعتَها وأوراقَها العلمُ، بنظارةٍ صنع زجاجَها وقياساتِها العلمُ، وأنت جالسٌ على مقعدٍ صنعه العلم، فى بنايةٍ صنعها العلمُ، ولا تنتهى الدائرة.

هذا المقال ليس «تحيةً» للمعلّم. فلم يحن بعدُ «اليومُ العالمى للمعلم» الذى يحلُّ يوم ٥ أكتوبر من كل عام. لكنه «اعتذارٌ» عن واقعة موجعة تخزُ القلبَ بشوكة الألم على وطن صنع أول حضارة فى التاريخ تأسست على العلم وتوقير المعلم. فى حضارتنا المصرية القديمة، احتلَّ المعلمُ مرتبة عالية فى هرم السلطة الفكرية والسياسية. لم يكن مجرد ناقل للمعرفة، بل حارسٌ لعقد الحضارة، حاملٌ مسؤولية صوغ القوانين، وحفظ الثقافة، وغرس القيم. لهذا لا يُقبَل أن يُهان معلمٌ فى دولة أجلّت العلمَ مثل مصر. فما بالك حين تُهانُ «معلّمةٌ»؟! هنا تُضافُ إلى جريمة إهانة المعلم، جريمةُ إهانة المرأة، فى دولة جعلت من المرأة ملكةً وربّة للفضيلة والعدالة والضمير، وجعلت لقانون الأخلاق الأول فى التاريخ اسم امرأة: «ماعت»، ترى صورتها محفورة على جدران محاكم العالم: سيدة جميلة معصوبة العينين تحمل ميزان العدالة والضمير.

الواقعةُ مخيفة: التعدى على معلمة أثناء أداء دورها التربوى!! وممن؟ من وليّات الأمور! ربما ليست الواقعة الأولى من نوعها بكل أسف ومرارة، لكنها الواقعة الموثقة بفيديو صوت وصورة منتشر على صفحات سوشيال ميديا. المعلمة المحترمة رفضت السماح بالغش فى لجنتها، فانقضت عليها أمهاتُ الطلاب وركضن خلفها يردن الفتك بها! ولولا تدخل الأمن لافترسنها! لن أسأل كيف سُمح للأمهات بدخول المدرسة أثناء الامتحان ولا كيف صعدن إلى فصول اللجان، فتلك أسئلة أمنية يباشرها التحقيق. لكن السؤال هو: كيف لأمهات فضليات يرجون لأبنائهن مستقبلا مشرقًا، وهنّ لا يحترمن مَن يقومون على العملية التعليمية التى تصقل عقول أبنائهن؟! شىء لا يُصدق! لكن الأكثر ألمًا هو أن تلك الأمهات «الغافلات»، لكيلا أستخدمُ لفظًا غيرَ مهذب، لم يكتفين بالمطاردة والملاحقة ومحاولة الاعتداء الجسدى على المعلمة، بل تعدين عليها باللفظ الجارح والسباب المهين، وأطلقن فى وجهها لعنات طائفية تزدرى دينها؛ كونها مسيحية!.

المشهد ينتمى إلى مسرح العبث والكوميديا السوداء المخيفة. تعالوا نحلّله. المعلمة رفضت السماح بالغش. والغشُّ لعنةٌ تصيبُ مستقبل المجتمع فى مقتل. فالطبيب الفاشل والمهندس الفاشل هما نتاجُ الغشّ. وفى أدبياتنا الإسلامية: «مَن غشّنا ليس منّا». وبناء عليه فهذه المعلمة يجب أن تُكرّم وتُمجد لأنها منعت آفة أخلاقية ومجتمعية وتربوية ودينية. لكنها لم تُكرم بل لوحقت يُرادُ النيلُ منها جسديًّا! وممن؟ من أمهات المفترض لهن أن يحرصن على تعليم أبنائهن وتهذيبهم!.

جهات التحقيق تباشر الواقعة المشينة، وقيل إن المعلمة الفاضلة تنازلت عن الشكوى ربما لئلا تثير الفتن أو تجنبًّا لتداعيات سخيفة تهدد أمنها أو لأى سبب كان. لكننا نحن المجتمع المصرى، لن نتنازل عن حقها وحق كل معلم شريف يبرّ بقسم الحفاظ على القيم، ونطالب بحق الكرامة العامة التى تُخدشُ لو مسَّ المعلمَ ما ينالُ من كرامته. ومن جانبى أقبّلُ جبينَ تلك المعلمة الجميلة، وأعتذرُ لها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كرامةُ المعلِّم ـة كرامةُ المعلِّم ـة



GMT 06:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو

GMT 06:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 06:16 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العرب ومقعد دائم في مجلس الأمن

GMT 06:07 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

الأميرة ديانا... ومتحف القدَر

GMT 06:03 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

التغير السياسي والتغير الثقافي والزمن الحاضر

GMT 06:01 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

هل يكتسح اليمين المتطرف أوروبا عام 2027!

GMT 05:58 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

GMT 05:56 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

«حزب الله»: دفاعاً عن السردية أم أزمة خطاب؟

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - ناسا تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 18:54 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج القوس الخميس 06 أغسطس/ آب 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt