توقيت القاهرة المحلي 09:29:17 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أطفالُ غزة.. الرصاصةُ الرحيمة.. والموتُ جوعًا!!

  مصر اليوم -

أطفالُ غزة الرصاصةُ الرحيمة والموتُ جوعًا

بقلم: فاطمة ناعوت

الرصاصةُ رحيمةٌ!. تأملوا عبثيةَ الجملة السابقة! لا، ليس من عبثٍ بها؛ إذ حين يتعلقُ الأمرُ بالعبث، يغدو الجنونُ عاقلًا لأن عبثَ العبثِ منطقٌ، على غرار: «نفى النفىِ إثباتٌ».

وأنا لا أتكلّمُ عن «رصاصة الرحمة» التى تُطلق على المرضى الميؤوسِ من شفائهم، بل عن رصاصة الغِيلة والغدر التى تخترقُ قلبَ سليمٍ معافًى. لا، بل قلب طفلٍ فى مقتبل التعرّف على الحياة. رصاصةٌ يُطلقُها جبانٌ خسيسٌ ليسرق الحياةَ من طفل، ويسرق من الحياةِ طفلًا. مثل رصاصة الخسّة التى أطلقها صهيونىٌّ جبانٌ على صدر الطفل الفلسطينى «محمد الدُّرّة» يومَ ٣٠ سبتمبر عام ٢٠٠٠، ليُستشهدَ بين يدى والده وأمام أعين العالم الصموت. هل تذكرونه؟. بالطبع نعم؛ فهو محفورٌ فى كتاب التاريخ فى الصفحة السوداء التى يختبئ وراءها بنو صهيون، الأنذال قتلة الأطفال. تصوروا أن جاء يومٌ نرى فيه تلك الرصاصةَ التى استقرت فى صدر «الدرّة»: «رحيمةً وطيبةً»، بالمقارنة بأدوات القتل التى يتوسّلها اليومَ هذا العدوُّ الأعمى!!!!.

تلك الرصاصةُ الخؤونُ أرحمُ من شىء أبشع منها وأخْوَن. أرحمُ من القتل تجويعًا!. موتُ الرصاصة أرحمُ من موت الجوع!.

هل بوسعك عزيزى القارئ أن تتخيلَ الموتَ جوعًا؟!. أغلبُ الظنِّ لا تستطيع. بوسعك تخيُّلُ الموتِ برصاصةٍ فى لحظة، أو الموتِ فى زلزال خاطف، أو الموتِ فى حادث سير. جميعُ ما سبق من صنوفِ موت الفواجع يحدثُ فى لحظاتٍ يسبقها خدرٌ رحيمٌ يتعطّلُ معه جهازُ الألم. لكن الموتَ جوعًا لا يشبه موتَ الفجاءة. لا يأتى غيلةً فى لحظة ولا فى يومٍ؛ بل يزحفُ ببطء على مهلٍ كثعبانٍ أعمى؛ فى أسابيعَ طوالٍ من العذاب والذبول والخمود وانطفاء الروح؛ شيئًا فشىء، حتى يترأفَ الموتُ.. ويأتى. لا صراخَ، لا دماءَ. فقط عيونٌ مُتَّسعة، وبطونٌ ضامرة، وعظامٌ بارزة، وأمهاتٌ عاجزات يرقبن أطفالهنّ يذبلون ولا حول لهن ولا قوة.

أمس الأول، يوم ٣ مايو، ماتت جوعًا الطفلةُ الفلسطينية «جنان صالح السكافى» لتحتلَّ رقم ٥٧ من الأطفال الذين ماتوا تجويعًا نتيجة الحصار الإسرائيلى لقطاع غزة. والعدّادُ يركضُ فى جنون!، إذ تقول تقاريرُ اليونيسيف إن ٦٠ ألف طفل يحتضرون جراء سوء التغذية وغياب الرعاية الصحية مع معاناة الأمهات الحوامل والمرضعات من سوء التغذية الحاد. وتصرخُ منظمات حقوق الإنسان، وهيومن رايتس ووتش، أن استخدام إسرائيل للتجويع كسلاح إبادة يشكل جريمة حرب. وتصرخُ منظمات الإغاثة محذرة من كارثة إنسانية لا سابق لها لأن إسرائيل لم تكتفِ بالقتل والتفجير والتهجير، بل تمنع دخول الطعام والمساعدات الطبية!.

مَن بوسعه تصوُّر هذا العبث!، مَن يصدّقُ أن القرن الحادى والعشرين، بعلومه وثوراته الصناعية والرقمية، سيشهد أطفالًا يموتون جوعًا؟!، ليس فى أدغالٍ نائية ومجاهلَ معزولة، بل فى قلب العالم: فى «غزة»، على مرأى ومسمع من العالم، وتحت سماء مكشوفة، أمام شاشات تُبَثُّ منها مشاهدُ القتل والتجويع، وكأن الجريمةَ لم تَعُد تتخفى كعادتها، بل تفجُر وتتبجّح.

الجوعُ موتٌ مهيٌن. ليس لمَن خبرَه، بل لمَن شاهده!. المتوفى جوعًا نبيلٌ وشهيد، لكن مَن شاهده مجرم مُهان. أن يموتَ طفلٌ جوعًا، ونحن نلقى فوائضَ هدرنا للقمامة، فذاك صفعٌ لإنسانيّتنا جميعًا. طفلٌ يتضور جوعًا يعنى أن هناك مَن قرَّر عمدًا تركه للموت. لا لنقص الطعام، بل لمنعه. غزة تُحاصَر، ويُقطع عنها الغذاء، ويُستهدف مَن يحاول إدخالَه، ثم نقف لنسأل فى بلاهة: لماذا يموت الأطفال؟!.

ومَن صانعُ الموت؟. «بنيامين نتنياهو»، رئيس وزراء إسرائيل، مجرم الحرب، الذى اختار بدم بارد سياسةَ الإبادة كخيار استراتيجى، يحاصر المدنيين، يقصف المستشفيات، ويمنع الطعام عن الأطفال!. جرائمه مشهودة بعيون العالم، موثّقة صوتًا وصورة، ومع ذلك لا تزال المحاسبةُ عصيّةً، والعدالةُ مؤجلة!. محكمة الجنايات الدولية لديها ما يكفى من أدلة الإدانة، لكن شِطرًا من العالم مازال غارقًا فى صمته، يغضُّ الطرف عن جريمة التجويع الجماعى، فى خرق صريح لاتفاقيات جنيف، وأبسط المبادئ الأخلاقية.

أطفالُ غزّة من حقّهم أن يأكلوا، يلعبوا، يناموا دون خوف، ويستيقظوا صباحًا على شدو العصافير لا دوىّ القنابل. لكنّهم يموتون جوعًا كل ساعةٍ من كلِّ يوم، ونحن نُحصى: كلَّ اسم، كلَّ صورة، كلَّ جسدٍ نحيل ملفوفٍ فى قماش أبيض!. وصمةُ عارٍ على جبين البشرية الخانعة لجبروت البيت الأبيض وبجاحته. الفجيعةُ ليست الموت، بل التواطؤ، الصمت، التبرير، والخذلان. غزة لا تحتاج إلى طعامٍ، بل إلى ضمير الإنسانية الغائب. وأطفالُها الشهداءُ ومَن ينتظرون حتوفهم سوف يدينون البشريةَ أمام العرش العظيم فى يوم الهول الأعظم.

سيكتبُ التاريخ أن أطفالًا ماتوا جوعًا لأن مجرمًا يُدعى «نتنياهو» قرر أن يحول الطعامَ إلى سلاحٍ، والجوعَ إلى سياسةٍ. وسيكتب التاريخُ أننا إما صمتنا، أو صرخنا، ففى مثل هذه اللحظات التعسة، لا حيادَ. الصمتُ جريمةٌ. والكلمةُ مقاومة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أطفالُ غزة الرصاصةُ الرحيمة والموتُ جوعًا أطفالُ غزة الرصاصةُ الرحيمة والموتُ جوعًا



GMT 09:29 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

الإعلام الغائب

GMT 09:27 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

«ترمومتر» اسمه المرأة في «برلين»

GMT 09:21 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيارة إلى كوكب الصين

GMT 09:19 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

خطاب إلى رئيس الوزراء!

GMT 09:14 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

على حافة الهاوية!

GMT 09:12 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

معرض الكتاب

GMT 09:10 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عالم بلا قوانين

GMT 09:03 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

السياسة فى جروبى!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt