توقيت القاهرة المحلي 13:01:07 آخر تحديث
  مصر اليوم -

فيروز... هاكِ مِنديلى لتُخبّئى دموعَك

  مصر اليوم -

فيروز هاكِ مِنديلى لتُخبّئى دموعَك

بقلم: فاطمة ناعوت

طالما كفكفتْ دموعى بصوتها، وخففت أحزانَ قلبى بأغنياتها، ورأبت صدوعَ روحى بعذوبة حكاياها. والآن دورى ودور الملايين من جماهيرها لنُقبِّلَ جبينَها، ونكفكف دمعَها. هاكِ منديلى يا «زهرة لبنان» المشرقة؛ خبئى فيه دموعَكِ على «زياد» الذى غافلكِ ومضى إلى حيث يمضى الأبناءُ ولا يعودون، تاركين فى قلوب الأمهات صدوعًا لا تُجبَر.

هل رحل حقًّا المجنونُ الأجملُ الذى ثار على جميع أشكال الزيف التى تُغرقُنا فى الضلالات الكذوب؟ لم يثُر «زياد رحبانى» على قباحات الواقع ومراراته فحسب، بل ثار كذلك على أناقة وعذوبة العالم الذى رسمته أغنياتُ «فيروز» المنسوجة بكلمات وموسيقى أبيه وعمّه «الأخوان رحباني». ذلك العالم الطفوليّ المبهج الذى لا وجود له فى أرض ملوّثة بالحروب والفقر والجهل والطغيان. رفع إصبعَ الاتهام فى وجه أسرته الاستثنائية، رغم أنه معجونٌ بذات الطينة الفنية الرفيعة التى لا تشبه إلا نفسَها، والتى من العسير أن تتكرر.

ووقعنا، نحن عشّاقَ الرحابنة فى شّرَك الصراع بين جميلين: جمال عذوبة أغنيات «فيروز»، وجمال ثورة «زياد» على تلك العذوبة المُتخيّلة! تخيلوا تلك المعركة العبقرية بين خصمين كلاهما جميل! ومَن المستفيد من تلك المعركة؟ نحن الجماهير! تلك أجمل معارك التاريخ: الخيالُ العذب ضدَّ الثورة عليه، بعذوبة مماثلة. أخبرنى أيها القارئُ متذوق الفن الرفيع: لأيٍّ من الخصمين سوف تنحاز؟ للخيال العذب؟ أم لعذوبة الثورة عليه؟ لابد أنك مثلى ستنحاز للاثنين معًا؛ لأن ذلك «الدياليكتيك الهيجلي» الذى هرب من الفلسفة إلى الفنّ، أنجبَ فنًّا ثالثًا، غيرَ مسبوق فى كتالوج الفن، مضفورًا بخيوط الحُلم ونار الثورة.

هو ابنُ فيروز وعاصى، لكنه لم يكن ابنًا لأحد. رفضَ إرثَ أيقونات الفردوس الخالد، ليخلقَ لنا أيقونةَ الرصيف المنسىّ. كتب عن النادل، والحلاق، والعاطل، والجائع، والمشرّد، وصفع فى أغنياته الظالم والفاسد والمرائى والمتاجر بالدين. حين غنّى: «أنا مش كافر... بس الجوع كافر»، لم يكن يموسق الكلمات ويغني؛ بل كان يُقاتل، ويصفعُ الطغاة الذين يلعبون على حبال تجهيل الشعوب وتجويعهم وترويعهم. وكان الشعبُ خلفه، يتغذى على خبزِ الأغانى، لأن خبزَ الدولة كان حجارة.

رحل مهندسُ العبث المتقن، ناثرُ الفوضى الجميلة، الذى أصرّ على العزف على عودٍ قطّعتْ أوتارَه الحروبُ والانقساماتُ والصراعات. رحل مَن خلق وطنًا بديلًا من النوتة الثائرة، ومدينةً تُحكمها السخريةُ بدلاً من الطغاة. رحل الحاضرُ فى جيناتنا الثقافية، الذى نجح فى ترويض أصواتنا الجريحة على وقع النغم الثائر. برحيل «زياد رحبانى» تموتُ «بيروت» للمرةِ الألف، هذه المرّة بصمت، بلا ضجيجِ قذائف ولا جولاتِ ميليشيا؛ بل بسهم حزين مغموسٍ فى نغم حزين على مقامِ نهاوند الرهافة، ومراسمِ وداعٍ يحفّها نشيدٌ ساخر يقول مطلعه: «بما إنّو الحرب خلّصِت، نحنا رح نفلّ». «زياد رحبانى» كان فيلسوفًا بلا كتب، فكلّ أغنيةٍ له كانت مانيفستو ثورة، وكلّ كلمة فى مسرحه كانت دستور نجاة. مَن مثله قدر على تحطيم الحائط الرابع كما فعل فى «كيفك أنت» مع والدته الجميلة «فيروز»؛ فمزج البروفات والتحضيرات فى متن الأغنية النهائية، ليسمح لنا بالتلصص على كواليس بناء العمل، ثم أخرج لنا فى الأخير واحدة من أجمل وأمسّ أغنيات الرحابنة وأكثرها عبقرية وفرادة وتجريبًا وتجديدًا!

برحيل «زياد رحبانى» سكتَ الضميرُ الجارحُ الذى لم يُهادن، ولم يركع، ولم يُصفّق للطغاة، بل قصف جبهتهم بلحنٍ مارق كالسهم. لكن مثله عصيٌّ على الرحيل لأنه أحد الذين زرعوا فينا الرفضَ والعناد واللعب على حافة الخطر. سيبقى خالدًا لا فى صورة ولا فى أغنية ولا فى تمثالٍ، بل فى «الضحك المرّ» الذى أجاد صنعَه، وفى السؤال الصعب الذى لم يجب عنه أحدٌ: «بالنسبة لبكرا... شو؟!» بعدك، من سيُحاور فقراء الوطن؟ مَن يُؤنس وحدة المقهى؟ من يُعطى الليل ضوءه؟ «زياد» لم يكن فنانًا فقط. بل كان «حالةً مستحيلة». كان احتلالاً ناعمًا للعقل. والفنّانون يموتون، أما الحالات فتبقى، تتكاثر، تتجادل، تتحوّل إلى طقسٍ، وإلى لعنةٍ جميلة لا شفاء منها. هو باقٍ لأن صوته امتدادٌ لصوت ضمائرنا، حين نغضب، حين نسخر، حين نحبّ، حين نثور، وحتى حين لا نجد ما نقوله. فقد أحبّ هذا الرجلُ «بيروت» حتى الجنون. أحب لا بيروت المزركشة بالحُسن، وصخور الروشة، وتلال جونيه، وجبل حريصا، بل أحبَّ بيروت النبيلة، المُنهكة، المتعبة، التى تصارع من أجل الحياة أمام حُسّاد يرومون لها الموت. رحل «زياد رحبانى» وهو يسحبُ بساط المعنى من تحت أقدامنا ويقول: «دبّروا حالكن... الموسيقى سكتت». وداعًا يا مَن أنطق الصخرَ وأخجلَ الظالمَ أن يفجُر وجعل الحروب تستحى وتخاف من سياط موسيقاه. اللهم أحسن مقامه وارزق والدتَه الصبر الجميل والاحتساب.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فيروز هاكِ مِنديلى لتُخبّئى دموعَك فيروز هاكِ مِنديلى لتُخبّئى دموعَك



GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 07:02 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 06:46 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 06:34 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 06:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

أوهام لبنانية

GMT 06:27 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt