توقيت القاهرة المحلي 09:29:52 آخر تحديث
  مصر اليوم -

كانت لابسة إيه؟!

  مصر اليوم -

كانت لابسة إيه

بقلم: فاطمة ناعوت

بكل أسفٍ، لايزال فى فضائنا العام خطابٌ يُحمِّلُ الضحيةَ مسؤولية الجريمة، ويمنحُ المعتدِى صكَّ البراءة. كلما وقعت جريمةُ تحرّش، أو اغتصاب، أو حتى قتلٍ، أطلَّ سؤالٌ سمج من مخبئه، كحشرة ليلية سامّة، لا ترعى إلا فى الظلام: «كانت لابسة إيه؟» سؤالٌ مُعلَّبٌ لا يُراد به إلا تبرئة المجرم، وإسكات الضحية.

سؤالٌ مجرمٌ يُبدّل موضع الإثم، فينقل مركزَ الجريمة من جبين المعتدِى إلى جسد المُعتدَى عليها، ومن الفحشاء إلى مساحات القماش. هذا السؤالُ ليس غبيًّا فحسب، بل لا أخلاقى، يضعُ سائلَه فى خانة واحدة مع المجرم، ويشى بأن سائله متحرشٌ سابق.

لأنه يفترض، ضِمنًا، أن جسدَ المرأة مشروعٌ مشروطٌ ومُستباح، وأن كرامتها رهنُ الهوى والمزاج. سؤالٌ لا أخلاقى؛ لأنه لا يُدين الجريمة، بل يُفتّش فى خزانة الملابس. وسؤالٌ غبى؛ لأنه يضع سائله فى مأزق سؤال آخر: «وماذا عن التحرش بالطفلات، والمحجبات، والمنتقبات، والراهبات، والأطفال الذكور؟»، لكن أحد مروّجى هذا السؤال وجد «ترقيعةً» مضحكة، فى محاولة يائسة بائسة لشرعنة سؤاله. فقال: «ما هو الذكر لما بيشوف بنت مش محجبة، ذكورته تُستفز، يقوم متحرش بالأطفال أو المحجبات!»، هل هناك هُراءٌ أعوجُ من مثل هكذا منطق، وأشدُّ شذوذًا؟! بل أعلن مريضٌ آخر على الشاشات أن: «التحرش بمَن ترتدى بنطالًا واجب وطنى، واغتصابها واجب قومى!»، وهكذا تتوالى الضحايا من المُتحرَّش بهنّ؛ بسبب ثقافة التساهل مع مثل تلك الأقوال المريضة والأسئلة اللاأخلاقية. فلومُ الضحية ليس رأيًا، بل تواطؤٌ صامت، وإعادة إنتاجٍ مستمرة للعنف والاستباحة، وتهديدٌ دائم للكرامة الإنسانية. بل هو جوهر الكسل الأخلاقى: أن نوبّخَ فستانًا أسهلُ من أن نُهذّب شهوة، وأن نُخجل امرأةً أيسرُ من أن نُربّى ضميرًا.

التحرّش، ليس وحسب خطأ أخلاقيًّا، بل سقوطٌ إنسانى مروّع. لأنه يبروزُ اللحظة التى يتوقّف فيها شخصٌ عن رؤية الآخر كإنسان، ويُحوّله إلى «شىء» يُعبَثُ به. وحين يتحوّل الإنسانُ إلى شىء، لا تعود هناك حدودٌ، ولا يعود هناك ضمير. المتحرشُ، لحظة التحرش، لا يرى إنسانًا ذا كرامة، بل يرى مساحةً مُستباحة، تسمح له بالاقتحام. تلك الجرأة المرضية لا تصنعها الملابس، بل تصنعها تربيةٌ فاشلة، وثقافةٌ تشمت فى الضحايا، ومجتمعٌ يُغمضُ عينيه عن الفواجع، مادامت لم تمسّنا بعد. فمَن تعلّم فى بيته أن الجسدَ آيةٌ مقدسة، لن يمدّ يده. ومَن تعوّد أن يرى الإنسان غنيمة، لن يوقفه دثارٌ ولا عُرى. حين نتوقف عن سؤال المرأة: «كنتِ لابسة إيه؟»، ونبدأ بسؤال المُعتدى: «كيف تجرأتَ على مدّ يدك؟» حينها فقط نكون قد خرجنا من العتمة. أما قبل ذلك، فنحن لا نُحارب التحرش، بل نُعيد طلاء الجريمة بلونٍ اجتماعى مدعوم بالذكورية المتهافتة.

الجسدُ قبّةُ الروح ومسكنُ كرامتها. غلافٌ رقيقٌ لسرٍّ عظيم من أسرار الله العليا، ومِشكاةٌ تحتضنُ نفحةً من نوره. لا يملك أحدٌ حقَّ اقتحامه. فكيف يسمحُ إنسانٌ لنفسه بأن يتجرأ ويجعل منه قنصًا سهلاً بمنطق القوة والتبرير الذكورى؟! التحرش، ليس فعلًا طائشًا ولا خرقًا عابرًا للأعراف، بل سقوطٌ إنسانى كامل. هو لحظةُ عمى، ينفصل فيها الإنسان عن نوره الداخلى، ويستسلم لظلمة الأنا. المتحرش ليس شريرًا وحسب، بل فاقدُ بصيرة؛ ضلَّ طريق الجمال، فتوهم أن القبح انتصار.

لكنَّ الفجيعةَ الكبرى لا تكمنُ فقط فى يدٍ تمتدُّ بالإثم لتدنّس جسد امرأة، بل فى عقلٍ جمعى يتركُ الجانى ليحاكمَ «الثوب». وتلك طعنةٌ ثانيةٌ فى قلبِ الضحية، ونكوصٌ عن الفطرةِ الإنسانيةِ السوية. إنَّ من يبررُ الجريمةَ برداءِ الضحية، إنما يعلنُ عن «حيوانيةٍ» متأصلة، رغم أن لممالك الحيوان قوانينَ أخلاقية. ذلك التبرير يجردُ الإنسانَ من ميزةِ «العقل» التى منحه إياها الخالق. فكيف لرجل يؤمن بالآية الكريمة: «الرجالُ قوّامون على النساء»، وهو لا يملك «القوامةَ» على فوضوية شهواته؟! الجمالُ ليس دعوةً للاستباحة، والحريةُ فى المظهرِ ليست تفويضًا بالعدوان وسحق الكرامة. ومَن يرى فى القماشِ مُحرضًا على البغى، فإنَّ العطبَ يكمن فى عينه وروحه وعقله، لا فى خيوطِ القماش. فالعُرىُ الحقيقى ليس فى الجسد، بل فى العين التى تنظر إليه بنيّة الافتراس.

حين تعجزُ الروحُ عن إدراكِ قدسيةِ الآخر، وتتمادى الأنا فى غيها مستندةً إلى تبريراتٍ عُرفية، يصبحُ «القانونُ» هو الملاذَ الأخير والدرعَ الواقى. التشريعُ الصارمُ ضد التحرش، ولو بالقول، ليس مجردَ عقابٍ زجرى، بل هو صرخةُ حقٍّ لإحراق الغابةِ التى يحاولُ البعضُ تخليقَها فى قلبِ المدينة. القانونُ هو «ميزانُ العدل» الذى لا يزنُ الثياب، و«المطرقة» التى تضرب على يد المجرم والمحرض فى آن واحد. نحنُ بحاجةٍ إلى نشر الوعى بثقافة الترفّع عن دنسِ الاغتصابِ بالنظرِ أو بالكلمة، والإيمان بأنَّ كرامة الآخر هى جوهرُ كرامتنا.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كانت لابسة إيه كانت لابسة إيه



GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 07:02 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 06:46 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 06:34 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 06:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

أوهام لبنانية

GMT 06:27 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt