توقيت القاهرة المحلي 09:45:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

نغتالُ الوترَ... ونرقصُ على نغمِه!!

  مصر اليوم -

نغتالُ الوترَ ونرقصُ على نغمِه

بقلم: فاطمة ناعوت

كنتُ بالأمس فى رحلة نيلية مع صديقتى المصرية-الفرنسية «راندا» ونجلها «آدم» ونجلى «عمر»، فى سفينة حاشدة بالعائلات المصرية من مختلف الطبقات، صاخبة بالعزف والغناء، قديمه وحديثه، رصينه ومرحه، قصيده ودارجه. وجالت عيناى تبحثان بين الحضور عن أولئك الذين رفعوا سياطَهم المنافقة لينهالوا على الشاعر المثقف الدكتور «مدحت العدل» حين حزِن على صوتٍ أصيل واعد كان مكتوبًا لصاحبته أن تغدو خليفة للخالدة «أم كلثوم»، لولا أبواق التكفير الكذوب التى جرّمت الغناء وحرّمته؟! فى سفينتنا اجتمعت طبقاتُ مصر بجميع أشكالها وألوانها ومستوياتها الفكرية، فمن أين تأتى الأصواتُ الناعقةُ الزاعقةُ التى تُحرِّم الشدوَ وتصِمُ مَن يُجلُّه بالفجور؟ ذباب سوشيال ميديا الذين يرتدون ثوبَ التديّن الزائف، ويعتمرون قبّعات المزايدات الرخيصة، ويسبُّون الفنانين ويكفرونهم، ماذا يفعلون أصلا على الصفحات والمواقع إذا كانوا كما يزعمون يقطرون تديّنًا وورعًا وتُقًى؟!

ليسوا إلا حفنةً من المنافقين، يلعنون الطربَ على الصفحات، ويرقصون على سُلّمه فى الخفاء والعلن.
لعلَّ مصرَ الأغزرُ غناءً وإرثًا موسيقيًّا. وطنٌ فنانُّ لم يُنجب مغنيًا ولا مائةً، بل أجيالًا متلاحقة من أصوات عبقرية صاغت وجدان العرب، وعبرت بالغناء المصرى حواجزَ اللغة والدهشة، فشهدنا مطربات الشرق الأقصى يُغنّين «بسبوسة» بصوت «شادية» ويجهدن ليحاكين حلاوتها ورقّتها، ويشدين «الأطلال» برصانة سيدة الغناء. فى مصر، لا يمرّ يوم دون أن يُولد صوتٌ، ولا تمضى ليلة دون أن يُولَد لحن. مصرُ تتنفّس الغناءَ والإبداع. ونحن شعبٌ يتحدّثُ بالموسيقى. الفلاحُ يزرع وهو يغنى، والقرويات يحصدن فيما يُغنين، والبناؤون يعلون بالأبنية ممزوجةً بالنغم، وباصات المدارس تصافح هواءَ الصبح بالأغنيات، وعلمُ مصرَ يعلو لصاريته بالنشيد. حوارى مصرَ تزغردُ بالأغانى الشعبية، مثلما تصدحُ الأغنية النخبوية من مسارحها. إرثها الفنيُّ ليس وحسب فى كمّ الأغانى، بل فى عبقريتها، وجرأتها على التجريب والابتكار. مصر لا تُغنى، بل تُعلّم العالم كيف يُغنى. لهذا قال «أفلاطون» لأهل أثينا بعد عودته إليها فى القرن ٤ ق.م. من مصر متأثرًا بموسيقاها: «علّموا أولادَكم الفنونَ، ثم أغلقوا السجون».
أنصِتْ إلى تلاوةٍ قرآنية بأصوات مُقرئى مصر الخالدين، الذين حصدوا قلوبَ المسلمين فى جميع أرجاء الأرض. ليست مجرد «قراءة»، بل بناءٌ صوتىٌّ ومعمارٌ موسيقى، مبنىٌّ على «علم المقامات القرآنية» الجليل. علمٌ وُلد فى العراق وفارس، ثم تجذّر وتَجلّى وأشرق فى المدرسة المصرية، حتى صار لكلّ قارئ مصرىّ «مقامٌ» مميز، وطابعٌ صوتيّ خاص، يُوظّف المقامات الموسيقية بعبقرية تخدم معنى الآية الكريمة، وتُبلغ رسالتَها للقلب قبل العقل.
هل من الطبيعى أن نناقش فى القرن٢١ أهمية الفن ومشروعيته؟ أيُعقَل أن نُستدرَج مرةً تلو أخرى إلى فخاخ السؤال التافه: هل الفن حلالٌ أم حرام؟ وكأننا نُعيد كل صباح اختراع العجلة ثم نُكفّر مَن اخترعها، ونلعن من صنعها، ونرجم من ركبها، ثم ندور حول أنفسنا لنستخدمها فى تواطؤ وخسّة ونفاق!
ما هذا الهوس الجماعى بالتكفير والتنمّر والاغتيال الأدبى للجمال؟! ألا نتعب؟! ألا يملّ هذا المجتمع من الوقوف أمام المرايا المشروخة ليسألها: «أيليق أن نغنّى؟» ثم نغنى؟! «أيجوز أن نضحك؟» ثم نضحك؟! ألا يعرفُ «المنافقون» أن سورةً قرآنية نزلت فى لعنهم لتفضح ازدواجيتهم ورياءهم؟! فالنفاق ليس خللا عابرًا، بل جريمةٌ أخلاقية: أن تقول ما لا تفعل، وتُظهر ما لا تبطن، وتُدين ما تعيش عليه سرًّا وجهرًا.
لماذا نكذب؟ نستهلك الفنَّ كل لحظة: فى المدارس، فى الرحلات، فى هدهدة أطفالنا، ثم ندّعى أننا مجتمعٌ «لا يحب الفن» ولا يحتاجه؟! نحن لا نعيش لحظة دون مُنتَجٍ فنّى، ومع هذا نُجبرُ المبدعَ أن يعتذرَ عن موهبته فى كل لقاء، وأن يقدّم اعترافًا بالتوبة مع نهاية كل أغنية!
كلّ الأمم تعبرُ، تمضى، تتجاوز، تقطعُ المراحلَ، تتواثبُ صعودًا على سلّم التطور حضارةً بعد حضارة، ونحن، وحدنا، ندور منذ ألف عام فى المربع رقم صفر. نناقش ما نوقش، ونكرّر ما تعِب من التكرار، ونحفر فى تربة جدباء بحثًا عن الماء، بينما الآخرون صنعوا الأنهارَ الصناعية فى الصحارى، واستمطروا السُحُبَ لتوليد الغيثَ من سماء الهجير.
لماذا نُضطر فى كل ندوة ومهرجان، وحديث إعلامى ومقال إلى تبرير الفن، وكأنه جريمة؟! كيف سمحت لنا ضمائرُنا أن نضعَ «الجمال» فى قفص الاتهام، ثم نصوّبَ عليه سهامَنا المسمومة. لماذا على الشاعر أن يُؤكد حُسن نواياه، وعلى الرسام أن يُثبت أن الألوان لا تُغضب الله؟! لماذا يتحتّم علينا القسمُ بأن الموسيقى ليست إثمًا، والسينما ليست مجونًا، والفنَّ ضرورة حياة؟! كيف نبرّر ما هو فطرىٌّ مطبوعٌ فى الإنسان؟ لماذا نغتالُ الوترَ الموسيقى، ثم نرقصُ على نغمه فى خلوتنا؟!
وللحديث بقية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نغتالُ الوترَ ونرقصُ على نغمِه نغتالُ الوترَ ونرقصُ على نغمِه



GMT 09:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

GMT 09:44 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

العالم جُنّ.. التكنولوجيا دمرت الأخلاق

GMT 09:41 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ولم تطرف له عين

GMT 09:39 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

داخلين على لجنة

GMT 09:37 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

من أجل المريض المصري.. أوقفوا هذا العبث

GMT 09:35 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ستضرب الولايات المتحدة إيران؟

GMT 09:33 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

مصر وتركيا

GMT 09:29 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

الإعلام الغائب

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt