توقيت القاهرة المحلي 10:45:30 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عينى ترى.. لا شىءَ اسمُه: «العمى»

  مصر اليوم -

عينى ترى لا شىءَ اسمُه «العمى»

بقلم: فاطمة ناعوت

بالأمس، كنتُ فى زيارة لصديقى طبيب العيون الأشهر، رفقةَ أصدقاء يرغبون فى فحص عيونهم. أحيانًا ما أتوسّط لأصدقائى لكى يراهم الطبيبُ المرموق دون قائمة انتظار، بحكم ما بيننا من صداقة قديمة. ورغم صداقتنا القوية، لم يحدث أن فحص عينىّ من قبل. وكلما سألنى أقولُ له: «أنا تمام!» لم أشأ أن أُثقِل عليه وأختلسَ لنفسى من وقته الثمين ما يستحقُه مرضاه.

ولكن، ولسبب ما وأنا أصافحه للانصراف، وجدتنى أبتسمُ وأقول له عابرًا: (من كام سنة كده، وأنا باعمل كشف نظارة، نبهنى أحد أصدقائى من الأطباء الكبار أن ضغط عينىّ مرتفع شويه، وأوصى بضرورة المتابعة دوريًّا، وحذّرنى لمخاطر الإهمال و...)، ولم أكمل كلامى، إذ وجدتُ ملامحَ القلق قد ارتسمت على وجه صديقى طبيب العيون، وجذبنى من يدى وأجلسنى أمام جهاز فحص العيون قائلا: (إزاى أول مرة أسمع الكلام ده؟! بتاخدى علاج إيه؟)، فضحكتُ وأكملتُ كلامى: (طبعًا نسيتُ الأمر ولم أتابع! مش بحب أشغلك يا صديقى!) راح يفحصُ عينى ورحتُ أقولُ لنفسى: (أتابع نفسى إزاى ووقتى كله لابنى «عمر»، وعملى ومشاغلى.. مادمتُ قادرة على القراءة والكتابة، يبقى خلاص و...!). أفقتُ من أفكارى على صوت صديقى يقول بقلق: (We have a Situation). ضغط العين أثّر على العصب البصرى! وجزع قلبى وأنا أتأمله يُدوّن فى الروشتة أسماء فحوصات يجب عملُها فورًا: (أشعة مقطعية للشبكية، فحص العصب البصرى، قياس مجال الرؤية). قال بحسم وشىء من الغضب بسبب إهمالى واستخفافى: (عاوز الأشعات دى فورًا. فورًا يعنى فورًا، تعمليها بكرة فى المستشفى، ومنتظرك بعد بكرة).

وأنا أغادرُ العيادة، قرأ ابنى المتوحد «عمر» على وجهى ملامحَ خوفٍ لم أستطع إخفاءها! فربّت على يدى كعادته حين يودُّ الاطمئنان! فطمأنتُه أن كل شىء جميل. لكننى لم أنم من الرعب! ماذا سيفعلُ ابنى إن فقدتُ البصرَ، وأنا عينُه التى يرى بها العالم؟! كيف أعيشُ والقراءةُ والكتابةُ كل حياتى؟!.

أكتبُ إليكم هذا المقال قبل توجّهى لإجراء الفحوصات المطلوبة. ولستُ أدرى ماذا ينتظرُنى فى مقبل الأيام. لكن ثقتى فى رحمة الله بابنى لا حدود لها. وثقتى فى عِلم صديقى طبيب العيون الكبير لا حدودَ لها، فقد رأيته بنفسى يصنع معجزاتٍ طبية لمرضاه، بارك الله فى علمه وحياته.

الآن، قررتُ أن ألجأ إلى الحيلة الذهنية التى تُنجينى وقت الخطر، وتجعلنى أرسمُ الواقعَ كما يروقى لى، لا كما هو. تلك الحيلة جعلتنى أرى «برج الكهرباء» نخلةً شاهقةً كاملة الأناقة، وجعلتنى أظنُّ أن تصدّعَ نافذة قطار قنصها حجرٌ مارق، لوحةٌ تشكيلية فنية مدهشة! حتى الحشرات المخيفة مثل الصرصار والخنفساء والبعوضة، نجحتُ أن أرى جمالَها كونها تشبه الفراشاتِ الجميلة «تشريحيًّا»، ولها نفس العبقرية فى التصميم من خالق الوجود المهندس الأعظم، سبحانه.

هذه الحيلة الذهنية «التحايلية» صنعها من قبل فنان تشكيلى بلجيكى مجنون اسمه «رينيه ماجريت». رسم تفاحةً، وكتب أسفلَها: «هذه ليست تفاحة!»، رسم غُليونا، وكتب تحته: «هذا ليس غليونا!» وأطلق على تلك اللوحات: «خيانةُ الصور». فالغليون المرسوم، ليس غليونًا حقيقيًّا من الخشب؛ بوسعك أن تحشوه تبغًا، وتدخن، كذلك ليس بوسعك أن تقضمَ التفاحةَ المرسومة! أما المعنى الفلسفى الأعمق الذى قصده الفنانُ هو الدعوة للنظر إلى عمق الأشياء، لا إلى ظاهرها. لأن «اسم» الشىء ليس الشىء نفسه، بل مجرد كلمة تشير إلى شىء. فكلمة «وردة»، لا تحمل لونَ الوردة ورائحتَها وجمالَها. هى كلمة أطلقها أحدُهم من قديم الزمان على هذا الكائن اللطيف؛ فورثنا الكلمةَ كدالٍّ على مدلولٍ: «الوردة»، وأورثناها لأولادنا وأحفادنا بالتبعية. لكن الدلالةَ والجمالَ والشكلَ والعطرَ فى «الوردة» ذاتها، لا فى «اسمها». فاللغةُ عاجزةٌ دائمًا عن كشف هُوية الشىء. لذا نجد «ماجريت» فى لوحة أخرى يرسمُ مجموعةً من الأشياء: حذاء، بيضة، شمعة، قبعة، مِطرقة، كوب؛ ثم يكتب جوار كلّ شىء اسمًا مخالفًا لاسمه المعروف: الحذاءُ= قمرٌ، البيضةُ= شجرةُ أكاسيا، الشمعةُ= سقفٌ، القبعةُ السوداء= ثلجٌ، المطرقةُ= صحراءُ، الكوبُ= رعدٌ. أعطى الفنان لنفسه الحقَّ فى إعادة تسمية الأشياء بأسماء جديدة. لماذا؟! هو حرٌّ. أليس الفنانُ حرًّا؟! نعم. للفنان نفس حق «المجنون»، وتلك أحد أسرار عبقرية الفن: الحرية.

الملامحُ البشرية مختفية فى أعمال «رينيه ماجريت» لأن فلسفته تقول إن التعيينَ والتحديدَ والشخصنة محضُ عبث. فمثلما أسماءُ الأشياء عبثٌ اعتباطى لا تصفها ولا تميزها، فالملامحُ كذلك لا تحدّد البشرَ ولا تميز جوهرهم.

سأستعيرُ فلسفةَ «رينيه ماجريت» وأقول لنفسى: (عيناى سليمتان... ولا شىء اسمه العمى)!، فكيف أقلقُ واللهُ والعلمُ حقيقتان أراهما كل يوم بعينىّ «المبصرتين»؟!.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عينى ترى لا شىءَ اسمُه «العمى» عينى ترى لا شىءَ اسمُه «العمى»



GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 07:02 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 06:46 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 06:34 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 06:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

أوهام لبنانية

GMT 06:27 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt