توقيت القاهرة المحلي 09:45:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

القديس «دي لا سال»... في فرير شبرا

  مصر اليوم -

القديس «دي لا سال» في فرير شبرا

بقلم: فاطمة ناعوت

رجلٌ من أنبل رجال العالم، آمن بأن التعليمَ حقٌّ أصيل لأطفال الفقراء قبل الأغنياء. القديس «يوحنا دى لا سال»، أحد رجال القرن السابع عشر، الراهبُ الذى وضع حجر الأساس لأول نظام تعليمى حديث ومجانى، رغم انحداره من أسرة أرستقراطية فرنسية نبيلة، إلا أنه آمن بأن العلم حقٌّ طبيعى ومقدس للإنسان كالماء والهواء.

لم يزر مصرَ أبدًا، لكن له أياديَ بيضاءَ نبيلةً على مصرَ أجيالًا فى إثر أجيال. ورغم عدم زيارته المحروسة؛ إلا أن حضوره طاغٍ فى مدرسة «فرير سان بول شبرا» التى نحتفل اليوم بإشعال شمعتها رقم 135.

بمجرد أن تخطو قدمُك حديقة المدرسة، سوف يصافحُك تمثالُ رجلٍ نحيل، على وجهه سيماءُ الزهد، وفى عينيه تستشفُّ الحنوَّ الذى دعاه للانتصار لحقّ أبناء الفقراء، ليس فى التعليم المجانى وحسب، بل فى التعليم الرفيع، ليكون العلمُ عونًا لهم على مواجهة الحياة، ودرعًا واقيًا يحميهم من الوقوع فى الزلل. كوّن هذا الراهبُ مجموعةً من رجال التعليم الذين آمنوا برسالته النبيلة فى حق الفقراء فى التعليم؛ وأطلق عليهم: «الإخوة أو Les Frères»، لكى يؤسسوا صروحًا تعليمية لا تغلقُ أبوابها فى وجه الفقير، مستمرٌ عطاؤها؛ رغم مرور ثلاثة قرون على رحيله عن عالمنا.

فعل هذا فى زمنٍ كانت الأميةُ فيه منتشرة، والتعليمُ حكرًا على أبناء النبلاء والأثرياء من ذوى الياقات العالية فى أوروبا ق.17، فكان سابقًا ومواكبًا لعصر التنوير الأوروبى. ولأن النورَ لا يعرفُ التشرنقَ والانغلاق؛ بل ينتشرُ رغم أنف الظلام ويهزمه، انتشر فكرُه الإصلاحى فى جميع أرجاء العالم حتى وصل مصرَ، وتأسست أولى مدارسهم الراقية فى الإسكندرية عام 1888، ثم «فرير سان بول شبرا» عام 1889 التى احتفلنا بعيد ميلادها الخامس والثلاثين بعد المائة فى حفلٍ حاشدٍ أنيق، حضره محافظ القاهرة الدكتور «إبراهيم صابر»، ونخبة من قادة مدارس الفرير والمؤسسين ورجالات التعليم والثقافة، وكذلك بعض الرموز ممن تعلّموا على مقاعد هذه المدرسة العريقة مثل اللواء أ.ح. «محب حبشي» محافظ بورسعيد، الذى ألقى عبر بثٍّ تليفزيونى كلمةً مؤثرة عن مدرسته وذكرياته فيها؛ وذكر أن إدارة المدرسة النبيلة أعفته من مصاريف الدراسة فى أحد أعوام الحرب؛ لأن والده كان مقاتلًا فى القوات المسلحة.. ما يؤكد أننا لم نكن نحتفل بمرور الزمن على جدران هذا الصرح التعليمى العريق، بل نقف فى حضرة فكرة، وشهادة حبٍّ لرجل آمن بأن التعليم رسالة إنسانية وتحضّر.

وخلال كلمة جميلة ألقاها مديرُ المدرسة مسيو «هانى وديع»، تكلّم عن تاريخ القديس «دى لا سال» المشرق، الذى أنار جنبات مصر بالتعليم الوازن خلال مدارس الفرير التى أخرجت لمصرَ أجيالًا من المتحضرين علمًا وخلقًا. فإلى جانب التعليم الممتاز، تحرص مدارس الفرير الديلاسالية على تدريب أبنائها على العمل التطوعى والخدمى والمجتمعى، حتى تكتمل الشخصية الإنسانية النبيلة التى تؤمن بأن خدمة الآخرين فرضُ عينٍ على كل إنسان، لكى يكون إنسانًا. ولهذا أطلقت «فرير سان بول» شبرا مشروع «نافذة على الحياة»، وهو منصة واقعية يُمنح الطلابُ فيها فرصة الإبحار فى تجارب من تجاوزوا محيط الفصل الدراسى، للتعلم من قادتهم، وفتح نوافذ تُطلُّ على الحياة الحقيقية بكل تفاصيلها. إنه تكريم للفكر الديلاسالى فى إقامة جسرٍ بين التعليم النظرى والعالم الواقعى الذى يمنحهم المعرفة العملية.

مازلتُ أذكر كلمةً ألقاها المهندس «إبراهيم محلب»، أحد أعظم رؤساء مجالس الوزراء المصريين، قال فيها إنه بعد توفيق الله تعالى، يدينُ لمدرسة الفرير «دى لا سال» تعلّمه الانضباط والالتزام والوطنية، إلى جوار القيم والأخلاق والصدق والتسامح، فضلًا عن التعليم الرفيع وإتقان اللغات الأجنبية، ما فتح أمامه آفاقًا ممتازة. ومن تلك المدرسة تخرَّج زعماءُ آخرون مثل: «إسماعيل باشا صدقى»، «عبد الفتاح باشا يحيى»، «مصطفى باشا فهمى»، «ممدوح سالم»، المهندس «طارق الملا»، والدكتور «عصمت عبد المجيد» وغيرهم.

فى وطنٍ طيّب الأثر كــ مصر، لا تُقاس المؤسسات التعليمية بعدد مقاعدها، بل بما تغرسه فى العقول من بذور النور، وفى النفوس من كرامة، وفى القلوب من رحمة. شكرًا لجميع حاملى المشاعل فى مدارس الفرير، وشكرًا للمسيو «هانى وديع»، الرجل الذى جمع بين الانضباط الفرنسى والروح المصرية البسيطة، فحافظ على هوية المدرسة وجعلها واحةً للعلم وسط زحام التشويه والتسليع، حاملًا المشعلَ الذى تسلّمه من أسلافه قادة «فرير سان بول شبرا»، التى ليست مجرد صرحٍ أكاديميٍّ عظيم، بل صفحة من تاريخ مصر الثقافى المشرق. كل عام وهى إحدى منارات العلم فى مصر الطيبة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

القديس «دي لا سال» في فرير شبرا القديس «دي لا سال» في فرير شبرا



GMT 09:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

GMT 09:44 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

العالم جُنّ.. التكنولوجيا دمرت الأخلاق

GMT 09:41 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ولم تطرف له عين

GMT 09:39 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

داخلين على لجنة

GMT 09:37 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

من أجل المريض المصري.. أوقفوا هذا العبث

GMT 09:35 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ستضرب الولايات المتحدة إيران؟

GMT 09:33 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

مصر وتركيا

GMT 09:29 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

الإعلام الغائب

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt