توقيت القاهرة المحلي 14:14:13 آخر تحديث
  مصر اليوم -

خمسٌ وعشرون سنة من هندسة التغيير في المغرب

  مصر اليوم -

خمسٌ وعشرون سنة من هندسة التغيير في المغرب

بقلم: لحسن حداد

حين تُقارِن مغربَ 1999، سنة تربُّعِ الملك محمد السادس على عرش المملكة المغربية، ومغرب 2024، تجد أن البلد تحوَّل من دولة إقليمية متوسطة الدخل، ذات اقتصاد لا بأس به، ضعيفٍ في بعض جوانبه، ومستحسنٍ في جوانب أخرى، إلى دولة فاعلة إقليمياً وقارياً ودولياً، ذات اقتصاد متنوع ونشيط وذي مناعة قوية، تتمتع بناتج داخلي يقارب 160 مليار دولار، مستعدة لولوج نادي الدول الصاعدة في غضون السنوات العشر المقبلة.

ماذا وقع؟ ما الأسباب التي جعلت الاقتصاد المغربي ينمو بهذه الوتيرة، وجعلت الناتج الداخلي يتضاعف أكثر من 3 مرات، وأدَّت إلى نمو الطبقة الوسطى بشكل ملحوظ، وتسبَّبَت في انخفاض الفقر إلى أدنى مستوياته، وأكْسبَتْ المقاولات قدرة تنافسية مشهوداً لها دولياً، خصوصاً على مستوى «المهن العالمية للمغرب»؟

يحتاج التغيير لريادة، والريادة هي انتصار للسياسة، لأن التغيير لا يكون بالمقاربة ‏التكنوقراطية المحدودة. لهذا، فمغرب «العهد الجديد» الذي أسّس له الملك محمد السادس عرف منذ اللحظات الأولى رغبة ملحة في تقويم الاعوجاجات وسن السياسات العمومية الجريئة ومواجهة التحديات بحسّ سياسي قوي. والريادة تعني اعتماد رؤى مستقبلية واضحة، وهذا ما تبناه الملك محمد السادس، سواء ما يخصّ الدمقرطة والتحديث السياسي أو السياسات الاقتصادية القطاعية أو مقاربات اجتماعية تتوخى محاربة الفقر والهشاشة وتمكين الفئات المهمَّشة.

وتقتضي الريادة كذلك نوعاً من الإحساس بمعاناة الآخرين، ووضع أنظمة للتتبع والمساءلة، واتخاذ القرارات، وتفويض المسؤولية، والتعلم المستمر والاستفادة من الدروس، وهذه كلها ممارسات أصبحت لازمة للسياسات العمومية، وكانت تأتي بإيعاز من الملك محمد السادس الذي كان ولا يزال يستعمل المناسبات الرسمية للتواصل (والتواصل ركن من أركان الريادة كذلك) ووضع التصورات والمقاربات التي تُلهِم وتُحَفِّزُ الفرقاء في عملهم وخططهم وطرق تدبيرهم.

سببٌ آخر جعل المغرب يخطو خطوات جبارة نحو التحديث والدمقرطة منذ 1999 حتى الآن، هو الجرأة وعدم الخوف، سواء من الماضي أو الحاضر أو المستقبل. هكذا قاد الملك محمد السادس المغاربة للتصالح مع الماضي بآلامه وجراحه، وقاد تغيير مدونة الأسرة لتعزيز حقوق المرأة، مع إعمال مبدأ الاجتهاد فيما يخص القضايا التي لها ارتباط بالدين. وواجه المغرب بقيادة الملك محمد السادس رياح الربيع العربي الساخنة بشجاعة فريدة، حين اقترح تغيير الدستور والتجاوب مع مطالب ما يسمى بـ«شباب 20 فبراير». ورغم جائحة «كورونا» والأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي خلَّفتها، فإن العاهل المغربي أكد على ضرورة الاستثمار في القدرات بتبني منظومة شاملة للحماية الاجتماعية.

ولكن الطريق خلال الـ25 سنة لم تكن دائماً مُعبَّدةً ودون عقبات ولا تحديات. عوَّد الملك محمد السادس المغاربة على قول الحقيقة حين لا تؤدي السياسات إلى الأهداف المنشودة. هكذا في 2017، نادى بوضع نموذج تنموي جديد، لأن الإصلاحات وإن أعطت أكلها فإنها لم تحقق أهداف العدالة الاجتماعية والمجالية، ولم تؤدِّ إلى النمو المستدام والمطرد المنشود. وحين عرّت جائحة «كورونا» هشاشة المنظومة الاجتماعية، دعا العاهل المغربي إلى وضع منظومة متكاملة للتغطية الاجتماعية، تشمل التغطية الصحية الإجبارية والتعويضات العائلية والتعويض عن فقدان الشغل والتقاعد، مرفقة بتأهيل بنية الاستقبال والخدمات الصحية وإصلاح أنظمة التقاعد، في إطار حوار اجتماعي يؤدي إلى توافق سياسي بين كل الفرقاء الاجتماعيين.

وأظن كذلك أن أحد الأسباب التي أدت إلى التحولات الكبرى التي شهدها المغرب في عهد محمد السادس هو ما أسميه بـ«المقاربة المضادة للدورات». أي الاستثمار في زمن الأزمة. رفع المغرب من وتيرة الاستثمارات بعد الأزمة المالية لـ2008 وما تلاها من اضطرابات. الفكرة هي أنه في زمن الأزمة يجب الاستعداد لما بعدها. الحكومات التي تسلك طريق التقشف قد تحافظ على توازناتها الماكرو اقتصادية بشكل صارم، ولكنها لا تستثمر في المستقبل حين تمر العاصفة ويدق جرس إعادة الانطلاقة. في خضم تدبير مخلفات جائحة «كورونا»، أمر الملك محمد السادس بالاستثمار في القدرات البشرية للمغاربة، عبر تعميم التغطية الاجتماعية. هذا استثمار في المستقبل، لأن الأمن الصحي أساسي لمجتمع نشيط ومنتج وخالق للثروة.

أخيراً، التموقع في المستقبل من سمات الريادة. لكنها كذلك من سمات الحكامة الجيدة، لأن القادة الكبار يضعون الرؤيا، حول كيف يتصورون النجاح في المستقبل، التي على أساسها تُبْنى الاستراتيجيات وخطط العمل الحكومية التي يتم تنفيذها، عبر موازنات سنوية واضحة المعالم والمؤشرات. هذا التدبير بالنتائج هو أساس نجاح التجربة المغربية. العبرة بالنتائج، والنتائج المرحلية تؤسّس للنجاحات على مستويات أعلى، وهكذا دواليك، إلى أن تصل إلى تجسيد الرؤيا، أي الولوج إلى نادي الدول الصاعدة وتحقيق العيش الكريم لكل المواطنين، في إطار مجتمع حرّ وديمقراطي، واقتصاد مبني على المعرفة والثقافة واستدامة الموارد، وعلى إشعاع جهوي ودولي، يساهم في التعايش والسلم والتعاون بين الشعوب.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

خمسٌ وعشرون سنة من هندسة التغيير في المغرب خمسٌ وعشرون سنة من هندسة التغيير في المغرب



GMT 09:44 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

GMT 09:42 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

تحديات وقف إطلاق النار

GMT 09:40 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

نيران إسرائيلية صديقة!

GMT 09:38 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

عودة رواد الفضاء

GMT 09:36 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

هولاكو وأمير المؤمنين

GMT 09:35 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

هل ضعفت مناعة لبنان؟

GMT 09:33 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

دائما: مصر تدعم لبنان !

GMT 10:44 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

الحرب وقطاع المنسوجات!

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:37 2023 الجمعة ,03 آذار/ مارس

افتتاح مطعم وجبات خفيفة أثري في إيطاليا

GMT 17:38 2017 الجمعة ,04 آب / أغسطس

قانون للتواصل الاجتماعي

GMT 16:34 2015 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

سيارة Toyota Fortuner 2016 بتصميم مختلف كليًا

GMT 08:58 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

يتحدث هذا اليوم عن مغازلة في محيط عملك

GMT 11:18 2019 الثلاثاء ,20 آب / أغسطس

اهمية تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر

GMT 18:54 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

مدرب الاتحاد السكندري يُغير طريقة اللعب بعد رحيل هاني رمزي

GMT 20:04 2025 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

ماسك يتوقع أن الذكاء الاصطناعي سيجعل سكان العالم أثرياء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt