بقلم:عزة كامل
الوقت يمر طويلًا مملًا، ثقيلًا وبطيئًا، والمقهى مزدحم بالزبائن، جلست فى زاوية بجوار النافذة، لمحته يدخل مهرولًا وهو يحمل حقيبته السوداء الضخمة التى اعتاد أن يحملها فى عمله بالمحاكم ومع لقاءات الموكلين له، جلس أمامها، فتح الحقيبة، وأعطاها قصاصة صغيرة، أخذت تقرؤها بدقة، تجمدت فى مكانها لدقائق معدودات، ثم نهضت عن كرسيها بتثاقل، تذوى التفاصيل، التفاصيل التى لا تزال عالقة بقوة فى الذاكرة، ثم تلاشت تحت وطأة الضغوط والوحدة والعزلة والغدر وأهل الشر.
كانت تكلم نفسها، الحياة تغيرت وطبائع الناس وتقاليدهم وتصرفاتهم كذلك، العبء يثقل كاهلها بضراوة، الصراع بين النور والظلام لاسترداد ابنتها الصغيرة التى خطفها زوجها منذ سنتين، كانت تعيش وتنتظر وتأمل، وتحتمل كل هذا العبء فى انتظار عودتها، مع أول شعاع فجر كانت خيالات ضخمة تتحرك أمامها، كان دويُّها يصم الآذان، ويملأ المكان كله، الدويّ يزداد ويقترب بشدة، استيقظت مذعورة، ارتدت ملابسها بسرعة وغادرت، وبعد مساومات ومفاوضات طويلة وشاقة، تمنت أن تكون هذه المرحلة نهاية الحرمان والقهر، تساءلت: لماذا تشعر بالضيق والحزن، رغم أنها أخيرًا ستسترد ابنتها الوحيدة وتستطيع احتضانها، وتمارس حياة طبيعيَّة معها، لكن كيف سيوفر لها منزلًا، فهذا المنزل تنازلت عنه لطليقها مقابل عودة ابنتها لها، تنازلت عن كل شىء وعليها أن تبدأ من الصفر، التحقت بوظيفتين من أجل أن تحتفظ طوال الوقت بسكن ملائم ومريح وإنسانى، وتدفع أجرته كل شهر.
كانت تبدو شديدة النحول، وتشعر بالقلق والحيرة وأن شيئًا سيئًا سوف يحدث لها، الأيام تمضى، والقلق مقيم مستمر، وصوت دندنة للأغانى الحزينة يلازمها، كان الوقت ضحى واليوم عطلة حينما جاء هؤلاء الرجال، واقتحموا الشقة، أحدهم كمم فمها، والآخرون اندفعوا نحو حجرة ابنتها، وأخذوها بالقوة وغادروا، هرولت كالمجنونة فى الشارع، لكنهم انطلقوا بالسيارة بسرعة شديدة، ومع كل دقيقة تمر كانت تنخلع روحها، وعيونها تبدو كعيون حيوان جريح، خطفها الأب، طليقها، وبعد شهر أرسل لها رسالة يخبرها أن الابنة معه خارج البلاد، ولن تعود لها مرة أخرى، ازداد نحولها كأنها لم تذق نومًا أو أكلًا من أيام، لم تستسلم بعد أن عرفت البلد الذى توجد فيه ابنتها، وكلت أحد المحامين، كان متخصصًا فى هذه القضايا، لم تترك مسؤولًا إلا وذهبت إليه تطلب المساعدة، بعد ثلاث سنوات استطاعت استرداد ابنتها، تغيرت كثيرًا من يومها، ازداد وزنها، واتسعت ابتسامتها واستطاعت النوم ملء جفونها.