توقيت القاهرة المحلي 06:56:10 آخر تحديث
  مصر اليوم -

العرب والحضارة الفرعونية

  مصر اليوم -

العرب والحضارة الفرعونية

بقلم : مصطفي الفقي

أثارت الملاحظة التى شعر بها كثير من المصريين حول الحفاوة الأجنبية الزائدة بافتتاح المتحف المصرى الكبير فى مقابل الحماس العربى المتحفظ تجاه ذلك الصرح الحضارى الضخم، أقول إن ذلك أثار قضية جدلية تهتم بالحضارات السابقة على الفتح العربى للدول المختلفة، وكيفية تخلى كثير من أصحابها عن تلك الحضارات للاندماج الكامل فى الحضارة الإسلامية التى قد تكون عربية أو غير عربية، فبلاد فارس التى يدين أهلها بالإسلام وفقًا للمذهب الشيعى فى غالبيتهم هى إمبراطورية قديمة قبلت الإسلام دينًا وتحفظت على العروبة حضارة ووجودًا، بينما قبل المصريون بعد تأرجح ملحوظ فى العصر الفاطمى بأغلبية مصرية متدرجة الإسلام دينًا واللغة العربية لسانًا، وهكذا وجدنا أن الدول العربية فى عمومها مسلمة الديانة فى غالبيتها، ولكن ليست كل الدول الإسلامية ذات طابع عربى بالضرورة، ففى مصر الفرعونية عمق تاريخى لا يجارى ولا يبارى، وفى العراق القديم حضارة مابين النهرين التى احتوت ثقافة بابل والآشوريين‪،‬ بينما تلقف الشام الكبير عبر تاريخه الطويل واحتكاكه المباشر بأرض الروم (غلبت الروم فى أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون) كما ورد فى الذكر الحكيم للقرآن الكريم، مما يعنى أن الامبراطورية الرومانية كانت وريثًا طبيعيًا لحضارات الفينيقيين بل إن التداخل بين الثقافات قصيرة الأجل فى تاريخ الشرق الأوسط يؤكد فى معظمها أن الكنعانيين والكلدانيين والسريان ومن قبلهم الأسباط، بل وقوم ثمود وعاد هم مزيج متداخل من الثقافات المتنوعة التى تبدو أقل من حضارة وأكبر من قومية، لذلك كان طبيعيًا أن تراث الجزيرة العربية بعد الإسلام عصارة هذه الثقافات وخلاصة تلك القوميات، ولكن ظلت العروبة عصية على بعضها، كما ظل الإسلام منفردًا ببعضها الآخر لم يندمج فى البقية الباقية من خصائصها الحضارية، إننى أقصد من هذه المقدمة أن ألفت النظر إلى العلاقة الحساسة بين العروبة ومصر الفرعونية، وهو موضوع يمسه كثير من المفكرين والفلاسفة مسًا خفيفًا ويتراجعون فيه لما يقرب من مائة وثمانين درجة، ليقولوا إنها فى النهاية سبيكة عربية اختلطت بالحضارة القديمة التى وجدت فى البقاع المختلفة للشرق الأوسط حتى حفلت أصداء الوجود المتعدد فى المنطقة التى نعيش فيها بما يمكن تسميته مزيجًا من العروبة الثقافية والشخصية الإسلامية، وقد كان من الطبيعى أن يشعر العرب بتراثهم الطويل الذى جسد الديوان الحقيقى للحياة العربية فى العصر الجاهلى، أقول كان من الطبيعى أن يظل الأمر معلقًا وتبقى الأبواب مفتوحة والنوافذ مشرعة للتداخل العميق بين العرب والترك والفرس والكرد، بل والأمازيغ والأفارقة أيضًا، حتى أصبح التنوع الثقافى والتميز الجغرافى حالة يمكن الاعتماد عليها والبناء لها والتوصيف لما بعدها، والكل يعرف قصة الخليفة المأمون مع أهرامات الجيزة ونظرة العرب المسلمين تاريخيًا تجاه الحضارة الفرعونية، حتى إنهم عندما تجاوزوا مدينة (طيبة المصرية القديمة) ورأوا المبانى الضخمة والبنايات الشاهقة أطلقوا عليها اسم القصور بسبب الفخامة والضخامة، ثم جرى تحريف الكلمة لتصبح المسمى التاريخى لمدينة الأقصر التى تحوى مايزيد على ربع التراث البشرى المسجل فى اليونسكو تحت مسمى الحضارة الفرعونية، ويجب ألا يندهش المواطن المصرى إذا رأى إقبال الأشقاء العرب على المنتجعات الساحلية فى مصر أكبر بكثير من جاذبية الآثار الفرعونية لهم، فنحن نلاحظ أن إقبال أشقائنا على المزارات الفرعونية محدود بالنسبة للمزارات السياحية الأخرى فى ظل البقاع العامرة من خريطة مصر، وأظن أن الأمر ينسحب على الدول العربية التى يزورها السائح فيظل مشدودًا بالطابع العربى الإسلامى دون الطابع الحضارى الكامن والذى يعطى شعورًا مختلفًا، فالمسجد الأموى فى دمشق فى نظر الزوار العرب هو تحفة معمارية يستأثر بها القادمون والذاهبون، دون أن يدرك بعضهم وجود كتابات تعود إلى حضارات قديمة تجمل جوانبه، فالحضارات تتواصل وينبغى ألا تكون بينها فواصل تحول دون الاندماج الكامل والانصهار المشترك تحت مظلة إنسانية واحدة، لذلك فإننى أدعو الأشقاء العرب إلى تذوق الحضارات السابقة على الفتح العربى والانضواء تحت رايات الإسلام، لأن الثقافات القديمة والحضارات الموروثة تصب فى معظمها فى خانة واحدة تدين للإنسان بكل أنواع العرفان، إذ إن الرقائق الحضارية فى مختلف بقاع الشرق الأوسط هى تعبير عن «أساطير الأولين» وقبول الحضارات القديمة للفتح العربى الإسلامى دون إنكار لأى وجود سابق عليه أو الازدهار الحضارى الذى ارتبط به، فالفرعونية والبابلية والآشورية والفينيقية وغيرها هى أمثلة للتمازج الثقافى والانصهار الحضارى الذى لا يعرف الحساسية ولا يعترف بالاختلاف الظاهرى الذى انصهر فى بوتقة واحدة نطلق عليها الحضارة العربية الإسلامية، التى شارك فيها المسيحيون واليهود من شعوب الشرق الأوسط، فمرحبًا بالضيوف العرب إلى المتحف المصرى الكبير!.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العرب والحضارة الفرعونية العرب والحضارة الفرعونية



GMT 11:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وتسويق الملفّ النووي…

GMT 11:25 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

تساقط المدن

GMT 11:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وإسرائيل وما بينهما

GMT 11:23 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

... عن الفضيحة والرأسماليّة

GMT 11:22 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

سير ستارمر... يستقيل أمْ يُقال؟

GMT 11:21 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الخطوط الحمر

GMT 11:20 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي

GMT 11:19 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الإمبراطورية الألمانية... زمن صحوة البوندسفير

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt