توقيت القاهرة المحلي 23:50:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الإسلام والكرامة الإنسانية (2 - 3)

  مصر اليوم -

الإسلام والكرامة الإنسانية 2  3

عمار علي حسن

وتقدر الأغلبية الكاسحة فى الشرق والغرب معاً حرص أى إنسان على كرامته، الأمر الذى تجلى فى قول شكسبير على لسان ياجو، أحد أبطال مسرحيته الأثيرة (عطيل): «إننى أحتقر الإنسان المطيع الذليل، الذى يحنى ركبته استخذاء، ذلك الذى يقضى عمره منكباً على عبوديته، معتزاً بذله. إنه أشبه ما يكون بحمار سيده، لا يعيش لشىء سوى العلف». وتجلى أيضاً فى تفضيل الشنفرى، أحد الشعراء العرب الصعاليك، أن يأكل التراب عن أن يسأل الناس صدقة، ما عبر عنه فى بيت بديع من الشعر يقول: «وأسف تراب الأرض حتى لا يرى ... على من الطول امرؤ متطول».
وأجملت مقدمة الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، الذى رأى النور عام 1948، النظرة العالمية لكرامة الإنسان، حين نصت على «الاعتراف بكرامة جميع أفراد العائلة الإنسانية، وبحقوقهم المتساوية، وغير القابلة للمساومة»، وحين شددت على أن «جميع الناس يولدون أحراراً متساوين فى الكرامة والحقوق»، وهو ما يمثل «أساس الحرية والعدالة والسلم فى العالم». وإمعانا فى ترسيخ الاهتمام العالمى بالكرامة الإنسانية، نشأ «مشروع الكرامة الإنسانية العالمية» فى رحاب المنتدى الاقتصادى العالمى 2020، وهو يرمى إلى العمل من أجل توفير حياة مادية فضلى.
لكن الكرامة الإنسانية لا تقتصر فقط على توفير حد الكفاية للناس من غذاء، وكساء، ودواء، وإيواء، وترفيه، حسبما يقصد هذا المشروع، بل تمتد إلى تحرير الإنسان من الخوف، وصيانته ضد كل أصناف القهر والإذلال، وإقرار حقوقه السياسية والاجتماعية والروحية، وكل ما يجعله يحيا عزيزاً مهاباً.
فالكرامة تعنى أن «الإنسان فوق كل ثمن»، أى لا يمكن بيعه بأى سعر. فكل ما له ثمن سلعة أو وسيلة، والإنسان ليس سلعة تباع وتشترى، وليس وسيلة إلى أى شىء، إنما هو غاية متفردة. وما كان يجرى أيام العبودية والرق كان يخرج الإنسان من آدميته، ويجور على كرامته، ولذا حرمته الأديان السماوية، والمذاهب الفلسفية المنصفة، والقوانين والقواعد الدولية الحديثة والمعاصرة لحقوق الإنسان. كما أن تشيؤ الإنسان وتنميطه فى ظل توحش الرأسمالية، وضخامة أسواقها، ومحاولتها تسليع أى شىء وأى قيمة، يجرح الكرامة الإنسانية، ولذا يواجه هذا المسلك الخاطئ صداً ورداً، ونقداً وجرحاً، من قبل الأديان التى تدافع عن كرامة البشر، والجماعات والتنظيمات المناهضة للعولمة، والفلسفات الإنسانية، والنزعات الروحانية، التى راحت تنتفض ضد تسليع الإنسان، أو تحويله إلى آلة، أو مجرد رقم فى حساب لا ينتهى.
لكن البشرية عانت طيلة عهود طويلة من انتشار أفكار وتصورات نالت من الكرامة الإنسانية بطريقة جارحة وقاسية على خلفيات أيديولوجية مستمدة من أديان أو مذاهب أو أعراق أو أيديولوجيات متطرفة. وقد وصل انتهاك الكرامة مداه مع من يؤمنون بحتميات أيديولوجية لأسباب بيولوجية، مثل النازيين والفاشيين الذين زعموا أن عرقهم أرقى من بقية الأعراق، وحاولوا أن يقدموا أدلة علمية على هذا تعود إلى التكوين الوراثى الذى تحمله الجينات، مما لا يقبل التغيير. ولا تزال هناك رؤى وتصورات عنصرية تحط من شأن البعض على خلفيات الانتماءات الأولية أو الطبيعية، لكن البشر يكافحون على الدوام من أجل إنهاء هذه المشاعر وتلك السلوكيات البغيضة.
(ونكمل غداً إن شاء الله تعالى)
"الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الإسلام والكرامة الإنسانية 2  3 الإسلام والكرامة الإنسانية 2  3



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt