توقيت القاهرة المحلي 08:30:38 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أميركا وأوروبا... شراكة القلق

  مصر اليوم -

أميركا وأوروبا شراكة القلق

بقلم:جمعة بوكليب

العلاقات بين أميركا وأوروبا حالياً تبدو وكأنها تدخل منعطفاً ضيقاً وخطراً؛ إذ لم تعد الخلافات تُناقش خلف الأبواب المغلقة، بل إن الموقف الأخير من الحرب ضد إيران وضع هذه التباينات تحت الأضواء، وعلى منصات وقنوات الإعلام الدولية. ووصل الأمر إلى حد تصريح الرئيس الأميركي ترمب بالانسحاب من حلف «الناتو»، احتجاجاً على رفض دول أوروبا المشاركة بقطع بحرية لفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية.

من جهة أخرى، فإن العلاقات الأميركية - الأوروبية مرت بمنعطفات كثيرة قبل المنعطف الحالي، وتمكنت من تجاوزها وصمدت. والعلاقة بينهما، في رأيي، تشبه زواجاً قائماً على المصلحة؛ قد يشهد برودة في العواطف، لكنه لا يحتمل نقاش فكرة الانفصال أو الطلاق، بسبب ما يواجه الطرفين من تهديدات وتحديات مشتركة من الصين وروسيا.

هل يعني ذلك أن الخلافات الحالية قد تفضي إلى استقلالية أوروبا واستغنائها عن مظلة الحماية النووية الأميركية؟ على ضوء المعطيات المطروحة أمامنا، فإنَّ الجواب بالنفي هو الأسهل والأقرب للواقع الفعلي؛ ذلك أن بناء الدفاعات الأوروبية «نووياً» باستقلال عن أميركا يحتاج إلى سنوات طويلة وأموال طائلة، وسيكون ذلك على حساب أولويات أخرى.

هل يمكن إعادة بناء الثقة بين الطرفين؟ بالاستناد إلى وقائع تاريخية سابقة، ومع مراعاة الفروق، فإنَّ الإجابة هي «نعم». المثال الأول: أزمة سحب الرئيس الفرنسي شارل ديغول بلاده من الهيئة العسكرية لحلف «الناتو»، وطرد قواته من القواعد العسكرية، ونقل مقر القيادة إلى بلجيكا. والمثال الثاني: أزمة رفض رئيس الحكومة البريطانية هارولد ويلسون الاستجابة لدعوة الرئيس الأميركي ليندون جونسون لإرسال قوات بريطانية إلى فيتنام - ولو كتيبة واحدة رمزية مكونة من فرقة موسيقية عسكرية - لمنح التدخل الأميركي غطاءً دولياً. لاحقاً، عادت فرنسا إلى الهيئة العسكرية للحلف عام 2009 على يد الرئيس نيكولا ساركوزي، كما تجاوزت بريطانيا أزمتها مع واشنطن سريعاً، وعادت الأمور بينهما سمناً على عسل.

بناءً على ما سلف، نجد أنَّ العلاقة الأميركية - الأوروبية ليست مجرد تحالف عسكري عابر، بل هي «بنية تحتية» للنظام الغربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يصعب تفكيكها دون حدوث انهيار للطرفين معاً. ومع ذلك، فإنَّ العودة إلى سياسة الوئام التام كما في الماضي قد لا تكون بنفس السهولة هذه المرة.

لماذا يختلف المنعطف الحالي عن منعطفَي ديغول وويلسون في الستينيات؟ يكمن الفرق الجوهري في أن أزمات الماضي كانت تدور، حسب آراء المعلقين، حول «كيفية إدارة الصراع» مع العدو المشترك (الاتحاد السوفياتي سابقاً). أمَّا الخلاف اليوم، فيتمحور حول ما يمكننا أن نطلق عليه «أولويات العداء» وجدواه؛ إذ ترى أوروبا في الصين شريكاً اقتصادياً لا غنى عنه، وفي إيران جاراً مزعجاً يجب احتواؤه لا محاربته، في حين تراهما إدارة الرئيس ترمب تهديدين يجب كسرهما.

التلويح الأميركي بالانسحاب من «الناتو»، أو فرض العقوبات والرسوم الجمركية دون تفريق بين عدو وصديق، دفع القادة الأوروبيين - لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية - إلى التفكير بجدية في «السيادة الاستراتيجية». لكن هذا الطريق مكلف جداً وليس مفروشاً بالورود؛ فالمعروف أنَّ الميزانيات الأوروبية منهكة لا تستطيع تحمل تكلفة استبدال المظلة النووية الأميركية أو القدرات الاستخباراتية واللوجيستية الضخمة التي توفرها واشنطن.

فهل نحن، إذن، شهود عيان على حالة طلاق بين الحليفين، أو أننا نشهد إعادة ترتيب أوراق بهدف صياغة جديدة للعقد؟ الحلف التاريخي لم يصبح ماضياً بعد، وقد لا يصبح كذلك أبداً، لكن يمكن وصفه بأنه بصدد دخول مرحلة تحوّل من حالة «عقد إذعان» تقوده واشنطن منفردة منذ تأسيس التحالف، إلى حالة «شراكة نِدّية»، لكنها شراكة قلقة.

عودة الثقة بين الشركاء والحلفاء عموماً بعد أزمة حادة لا تتم سريعاً وآلياً بمجرد طيّ الصفحات، وكأن شيئاً لم يكن، بل تحتاج إلى زمن وإلى سلسلة من الخطوات الإيجابية المتبادلة. والنتيجة النهائية قد لا تعيد العلاقة تماماً كما كانت في السابق، بل ستكون الثقة في حالة عودتها موسومة بالحذر، وقد تبدو في بعض مناحيها «ثقة مرغمين»؛ تفرضها الضرورة والمصلحة، باعتبار أنَّ الصين وروسيا هما المستفيدتان الوحيدتان إذا ما قرر الحلفاء المضي في طريقين منفصلين.

في نهاية المطاف، في رأيي، سيظل الحلف الأميركي - الأوروبي صامداً؛ لأنَّ تكلفة الانفصال بالنسبة لأوروبا تعرّضها لانكشاف أمني، وبالنسبة لأميركا تضعها في عزلة دولية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أميركا وأوروبا شراكة القلق أميركا وأوروبا شراكة القلق



GMT 07:08 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

سرُّ السَّعادة

GMT 07:05 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الخُميني وجهيمان ومُظفّر ونزار

GMT 07:03 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

مشيتُ في جنازة دولةٍ عظمى!

GMT 07:01 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

نذر تقلص وقود المواصلات

GMT 06:58 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

لبنان ضحية عدوانٍ مزدوج

GMT 06:56 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

إعادة النظر في السردية الاقتصادية لأفريقي

GMT 06:54 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

لبنان فضاء الحياة والإبداع لا الحروب

GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 16:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
  مصر اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 12:17 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

غوارديولا يؤكّد أن محمد صلاح ينتظره مستقبل كبير

GMT 11:15 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt