توقيت القاهرة المحلي 19:44:02 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تحكيم كرة القدم وتسييسها.. وأشياء أخرى

  مصر اليوم -

تحكيم كرة القدم وتسييسها وأشياء أخرى

بقلم : عمار علي حسن

أخطاء التحكيم فى كرة القدم واردة، فقد فازت إنجلترا بكأس العالم ١٩٦٦ على حساب ألمانيا الغربية بهدف ثبت بعد اختراع الكمبيوتر أنه لم يكن سليما، إذ هزت الشبكة من خارج المرمى. واحتسب الحكم التونسى على بن ناصر هدفًا أحرزه مارادونا بيده فى مرمى الإنجليز خلال بطولة ١٩٨٦، وبلع لسانه فى الملعب، ثم اعترف فيما بعد وقال «كانت يد الله».

الحَكَم بشر، ونحن نتفهم جميعًا أنه لا يمكنه الإتقان بنسبة مائة فى المائة وإن كان يجب أن يقترب من هذا الكمال بعد مساعدة التكنولوجيا عبر الفار. ولأن بعض البشر يكونون فاسدين بالسليقة أو الظروف، أو يضعفون أمام إغراءات ومخاوف وتحيزات، فيمكن لبعضهم أن تحوله بشريته إلى أداة ظلم قاسٍ داخل الملعب.

وما لا يمكن نكرانه أيضًا أن السياسة طالما تدخلت فى توجيه كأس العالم أحيانًا، وكان للأرجنتين نصيب الأسد فى هذا، ففى بطولة كأس العالم ١٩٧٨ التى أقيمت على أرضها تدخلت المخابرات الأمريكية «سى. آى. إيه» لدى رئيس بيرو ليترك فريقها مرماه يُمنى بخمسة أهداف كانت الأرجنتين فى حاجة إليها إلى الدور الثانى، كنوع من مساعدة واشنطن لعميلها حاكم الأرجنتين الجنرال فيديلا الذى كان يواجه وقتها احتمالات السقوط، ليصعد اليساريون أعداء الولايات المتحدة.

أدار العملية وقتها وزير الخارجية الأمريكى هنرى كيسنجر، ولتحسين صورته وظف فيديلا صورة اللاعب كيمبس المندفع كإعصار، بعد أن أنفق مئات الملايين من الدولارات على البطولة حتى تكون المناسبة أسطورية، رغم أن الشعب يئن تحت وطأة الفقر والقهر.

وسرب العسكريون الأرجنتينيون وقتها رسالة تحذير إلى لاعب هولندا الكبير يوهان كرويف بأنه قد يُقتل على يد عصابات خارجة عن القانون، إن لحق بالفريق بعد تعافيه، وخسرت هولندا المباراة النهائية، بعد أن لعب فريقها المباراة وسط أجواء من الإرهاب.

وحين فازت الأرجنتين بهذا المونديال كان على بعد كيلومترات قليلة من الملعب الذى شهد المباراة النهائية مركز للتعذيب والإبادة فى إحدى المدارس العسكرية، وكانت الطائرات تلقى بالمعتقلين المعارضين أحياء فى البحر، ويتم اغتيال آلاف مؤلفة من الأرجنتينيين دون ترك أى أثر للجرائم، لكن كل هذا تمت التعمية عليه مؤقتا فى ضجيج انتصارات الفريق، وتصفيق المعلقين الذين كانوا مجبرين على هذا، وسيل تصريحات مجاملة لحسن الضيافة من كبار رجال الفيفا ومن سياسيين مدعوين من بينهم كيسنجر.

اليوم، تنحرف كرة القدم أكثر فى ظل التعامل معها ليس على أساس أنها فن جميل ممتع يمنح الناس قدرًا من المواساة لا يجدونها فى ضروب الحياة الأخرى، لتتحول إلى صناعة وتجارة تخضع لاقتصاديات السوق التى تفرضها الرأسمالية المتوحشة أو الشرسة، وهى لا ترحم خاصة مع المضاربات والمراهنات، وهذه مسألة ليست وليدة اليوم، فقد قيل إن الولايات المتحدة الأمريكية قد أعادت دييجو أرماندو مارادونا ليلعب مونديال ١٩٩٤ بعد اعتزاله وبدانة جسده، فى سبيل تعزيز الدعاية للبطولة، وخضع لبرنامج علاجى وتدريبى سريع، ليستعيد لياقته، ولعب مباراتين فقط واستُبعد لتعاطيه المنشطات.

وسط كل هذا تشتد الدعايات التى تضغط فى اتجاه التعامل مع كرة القدم على أنها «اقتصاد رياضى»، وتجذب إليها كل يوم كثيرين، يرددون هذه الأقوال، التى من شأن تطبيقها أن يقتل الجمال والعدالة تباعا فى أكثر الألعاب شعبية فى العالم الحديث والمعاصر.

‏(٢)

دون عدل لا تكون دولة حديثة، إنما غابة كبرى لها مَن يديرها. ولا نقصد بالعدل هنا احترام الدستور والقانون واستقلال القضاء فقط، بل العدل السياسى الذى يعنى احترام إرادة الشعب، وفتح باب طوعى سلمى للتعبير عنها، وأن تكون الأمة هى مصدر السلطات، والسلطات غير محتكرة، والقرار غير منفرَد به. ونريد أيضا العدل الاجتماعى بمعنى منع أن تكون الأموال فى يد القلة بينما الكثرة تئن من فرط الجوع والمرض، وإطلاق تكافؤ الفرص بين الناس فلا يتميز أحد على أحد إلا باجتهاده وجهاده فى مسالك الحياة من أجل تحسين شروط عيشه.

(٣)

المعارضة السياسية المدنية السلمية العلنية حق للمعارضين وواجب على أهل الحكم، وضرورة لأى نظام سياسى حقيقى، وهى ليست شرًا ولا رجسًا ولا خيانة.

لهذا نحن بحاجة ماسّة إلى أحزاب مدنية قوية تعارض ما لا يروق لها من سياسات، وتبنى نفسها فى صبر وأناة. وعلى مَن يعيرون هذه الأحزاب بأنها ورقية أو هشة أن يتذكروا أن أقل مرشحى حزب الوفد شأنا كان قادرا على هزيمة مؤسس جماعة الإخوان نفسه فى الانتخابات البرلمانية، وكان الناس يقولون: «لو رشح الوفد حجرا لانتخبناه»، لكن منذ يوليو ١٩٥٢ والأحزاب المدنية تتلقى ضربات موجعة متوالية، بينما راحت السلطات المتعاقبة تبرم الصفقات مع التيار الذى يوظف الدين الإسلامى فى تحصيل السلطة وحيازة الثروة، ومع هذا يخرج أتباع السلطة ليعيّروا المدنيين قائلين لهم: أين أنتم من الشارع؟!.

(٤)

نقول دوما لكل المعارضين: لا تخاطبوا الخارج وتعولوا عليه، بل آمنوا بأن إقناع فلاح يطمر الطين قدميه، وتغمر مياه الترع ساقيه، وتخضب يداه بخضار الزرع الذى غرسه، أهم وأقدس وأنبل وأجَلّ لدينا من الكلام مع ترامب وماكرون ومَن على شاكلتهما.

أهلنا، بعد الله، هم حصننا وجدارنا الذى نسند ظهورنا إليه مطمئنين. الناس هم الأساس. عاش الشعب المصرى، صاحب الأرض والمال والسيادة والشرعية، صاحب البلد الحقيقى، شاء مَن شاء، وأبَى مَن أبَى.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تحكيم كرة القدم وتسييسها وأشياء أخرى تحكيم كرة القدم وتسييسها وأشياء أخرى



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt