توقيت القاهرة المحلي 20:05:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حاجة التفكير إلى النقد.. وضرورة نقد المفكر ذاته

  مصر اليوم -

حاجة التفكير إلى النقد وضرورة نقد المفكر ذاته

بقلم : عمار علي حسن

ما دمت تعمل بحقل إنتاج الأفكار والمعارف فى العالم العربى، وحتى لو كنت مجرد ناقل لها، فأنت معرض، لا محالة، لأن تخضع لتصنيف ما، يزيحك إلى أى من الأيديولوجيات السائدة، فإما أنت يسارى أو إسلامى أو ليبرالى، وداخل هذه التقسيمات الثلاثة الكبرى يتم توزيعك على أحد ألوانها، المتدرجة من الاعتدال إلى التعصب الأعمى مرورا بأشكال عدة من الانحياز النفسى والعقلى.

وهذا التصور النمطى لميول وتوجهات وتصورات المفكرين والمبدعين العرب يتجاهل عدة أمور أساسية هى:

١ ـ حق الإنسان فى التفكير الحر، الذى يتجاوز الأيديولوجيات الجامدة، إلى آفاق رحبة من العمل الذهنى الخلاق، الباحث دوما عن أطر فكرية وسياسية متجددة قادرة على النهوض بواقع يتغير، لا سيما إذا كان هذا التغيير متلاحقا بسرعة شديدة. ويمتد هذا الحق إلى رفض جميع الأفكار الرائجة فى مجتمع ما فى لحظة معينة، من منطلق اقتناع بأن أيا منها غير جدير بالانحياز إليه أو تبنيه.

٢ ـ حق من يفكر فى ممارسة درجات من النقد الذاتى، الذى تصل ذروته إلى حد «القطيعة المعرفية» مع ما كان الفرد يعتنقه من أفكار فى الماضى، دون أن تكون هذه النقلة النوعية خاضعة لاعتبارات ذات طابع انتهازى، من قبيل تبديل الأفكار والمواقف إرضاء للسلطة أو بحثا عن منافع مادية أو مناصب بيروقراطية أو مواقع فى السلم الاجتماعى، أو خوفا من تيار سياسى معارض بعينه أو إرضاء له لتحصيل مكاسب معينة. وهذه النقلة أو تلك القطيعة تتطلب اعترافا من الآخرين بها، بحيث لا تظل الأفكار القديمة التى كان الفرد يعتنقها تطارده أينما حل، وكأنها ثوب ارتداه ولن يكون بمقدروه أن يخلعه مهما اتسخ أو بلى، وبات ملفوظا ممن يرتديه.

٣ ـ ضرورة التفاعل مع المحيط الأكبر، الذى يتعدى الحدود الجغرافية للوطن سواء كان دولة أو أمة بأكملها، بحيث يستفاد على الوجه الأكمل من تجارب الآخرين مع الأفكار، خاصة إذا كان جزءا كبيرا من الأفكار المتداولة والأيديولوجيات المنحاز إليها داخل حدود الوطن وافدة من الخارج، مثل ما هو الحال بالنسبة للعالم العربى. فالاشتراكية والليبرالية بأطيافهما ليستا صناعة عربية، وإن كانت التجربة العربية قد اجتهدت فى إطارهما من خلال المزاوجة أو التوفيق بين «الأصالة» و«المعاصرة» أو «التراث» و«التجديد». وحتى التصور السياسى الإسلامى، الذى فارق الدين إلى الأيديولوجيا، يعود، فى جزء رئيسى منه، إلى أفكار وردت من خارج العالم العربى، وتحديدا من شرق آسيا، حيث أبوالأعلى المودودى وأبوالحسن الندوى وغيرهما.

لقد عانى ويعانى بعض من منتجى الأفكار فى العالم العربى من آفة تصنيفهم ليس فكريا فحسب، بل سياسيا أيضا. ولم يستوعب الآخرون أن هؤلاء يفكرون بعقول حرة ونفوس تنزع إلى الاستقلال. وظل كثيرون من أولئك تطاردهم الصورة الذهنية التى التقطت لهم وفى مستهل طريقهم إلى المعرفة. ومن ثم طالما عبر كثيرون عن حيرة انتابتهم فى تحديد توجه مفكر عظيم مثل جمال الدين الأفغانى، أو فيلسوف عبقرى مثل حسن حنفى. فالأول تراوح تصنيفه بين الاتهام بالماسونية إلى التجديد الدينى، والثانى تباين توزيعه بين الماركسية والتطرف الإسلامى.

وعلى مستوى آخر لم نبحث بجد واجتهاد لنحاول أن نفهم التحولات الفكرية فى حياة مفكرين كبار مثل طه حسين وزكى نجيب محمود وطارق البشرى والسيد يس وسيد قطب ومنير شفيق. ولم ننتج بعد ما يكفى فى علم اجتماع المعرفة ما يؤهلنا للحكم على السياق الفكرى ـ الاجتماعى والسياسى، بل والنفسى الذى أنتج فيه مفكرون عرب مختلف معارفهم من أمثال قسطنطين زريق ومحمد عابد الجابرى وعبدالله العروى وأدونيس ومحمد جابر الأنصارى وعلى حرب والطيب تزينى وفؤاد زكريا وأحمد أبوزيد والصادق النيهوم وعبدالله الجذامى وهشام جعيط وعلى الوردى وأنور عبدالملك... إلخ.

بل كل ما أعيا أذهان المتابعين للأفكار فى عالمنا العربى هو تصنيف هؤلاء فكريا، بوضعهم فى قوالب جامدة، أشبه بالخزائن الحديدية، لا يستطيعون منها فكاكا، مع أن الإنتاج المعرفى الذى راكموه بعد تصنيفهم القديم أو الأولى يبرهن جيدا على أنهم تطورا فكريا، وربما فارقوا تماما، أو قاطعوا، تلك الأفكار التى كانوا يتبنونها فى مستهل حياتهم. ومع أن بعض السير الذاتية التى خلفها مفكرون، أو الحوارات التى أجريت معهم حول مسيرتهم الفكرية، تدل على أن هؤلاء فى حالة جدل مستمر مع الذات والآخر، سواء من خلال علاقات الوجه للوجه مع أندادهم فى العالم العربى وخارجه، أو بالاطلاع المستمر على ما يستجد من أفكار فى مختلف أرجاء العالم من خلال المصادر المكتوبة، أو بالتفاعل مع السياق الثقافى الاجتماعى المحيط بهم.

وآفة قولبة المفكرين العرب هذه مردها الرئيسى هو الرغبة فى الإمساك بمعيار، حتى لو كان زائفا أو معيبا، يسهل على الناس التعامل مع المفكر، حيث الكسل فى متابعة ما ينتج من أفكار، وهى مسألة تدل عليها مؤشرات عديدة، منها تدنى مستوى توزيع الكتب وطباعتها فى العالم العربى، وبالتالى انحسار عدد القراء، والضعف الشديد الذى أصاب الحركة النقدية، الأمر الذى بات محل شكوى عامة من المبدعين فى المعارف الإنسانية بمختلف ألوانها، علاوة على تراجع حجم النخبة الفكرية ذات الاهتمام الموسوعى، وتقطع أوصال الحوار بين أفراد هذه النخبة، وانتشار ظاهرة «الثقافة السماعية»، التى تهيئ المناخ الفكرى لتقبل الآراء الجاهزة أو «المقولبة» والمحرفة والأحكام السريعة على المفكرين، وطغيان السياسى على الفكرى فى حياتنا، بما ربط الرعيل الأول من مفكرينا بمشروعات سياسية، حزبية أو تنظيمية، وهى مسألة، رغم تراجعها، إلا أنها لاتزال حاضرة فى العقل الجمعى العربى فى تقييمه للمنتج الفكرى، ولايزال هذا العقل غير قادر، أو لا يريد أن يستوعب أن هناك من يفكر بطريقة حرة، بعيدا عن القوالب الجامدة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حاجة التفكير إلى النقد وضرورة نقد المفكر ذاته حاجة التفكير إلى النقد وضرورة نقد المفكر ذاته



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt