توقيت القاهرة المحلي 10:18:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«أبواب الأذى» التى انفتحت بـ«صالون الثلاثاء» على أوجاع المصريين

  مصر اليوم -

«أبواب الأذى» التى انفتحت بـ«صالون الثلاثاء» على أوجاع المصريين

بقلم : عمار علي حسن

فى صالون الثلاثاء الذى تقيمه مؤسسة أحمد حسين للثقافة والفنون تحدثت عن كتابى «أبواب الأذى.. دفتر أوجاع أهل مصر»، الصادر عن دار الشروق بالقاهرة مؤخرا، وأشرح فيه أحوال المجتمع المصرى حاليا، عبر دراسات ومقالات معمقة، ولوحات اجتماعية، تعتمد على المعاينة والمشاهدة والوصف والتحليل لمشكلاتنا وأمراضنا الاجتماعية التى يجب علينا مواجهتها وعلاجها.

قلت للحاضرين من رواد الصالون إننا أصبحنا مجتمعا فى خطر، وأن هذه حقيقة لا مواربة فيها، وهى ليست محل شك أو ريبة أو تهوين إلا عند جاهل أو غافل أو متواطئ، وأن لهذا الخطر ألف باب، وآلاف النوافذ، تهب رياحه، بل عاصفته من كل اتجاه، تحمل معها غبارًا مسمومًا.

لقد تعدى الأمر عتبة الحديث عن ضعف فى بنيتنا الاجتماعية أو توعكها ومرضها، أو صعوبة الخروج من ضيق الآنى نحو براح الآتى، إلى ما يهدد بقاءنا، أو يبقينا مرضى خاملين، فى ركود وخمود وقعود، بل فى كساح أصاب عظم المجتمع، بل نفذ إلى نخاعه.

إن ما يمر به المصريون حاليًا هو شىء فوق ما عرفوه وألفوه زمنًا طويلًا، فتعايشوا معه، وتحايلوا عليه، ولم يفقدوا الأمل فى الانتصار وإن تأخر، والعبور وإن قامت فى طريقه العثرات، شوكًا وجمرًا وسدودًا وقيودًا، أو نصبت الفخاخ متاهة مصمتة، لا سبيل للمروق منها، إلا بجهد جهيد، يصنعه وعى الرجال، وتحققه عزائمهم الصلبة.

حقا إن المجتمع المصرى فى خطر لأن العوامل التى ساعدت مجتمعنا على التماسك على مدار قرون طويلة تتآكل وتتحلل، ولتردى مستوى التعليم، وسيطرة الرؤية القاصرة عليه، ولتراجع دورنا الثقافى، وغرق مجتمعنا فى الغيبيات، وعدم الاهتمام بإتقان العمل، وتهديد الحرف والمهن التى عرفناها وألفناها على مدار تاريخ طويل. واستسهال ارتكاب الناس للمخالفات والجنح والجرائم، وتفشى الفقر والعوز والإملاق، وانتشار روح التسلف والتطرف معًا.

لقد جاء هذا الكتاب ليصف المجتمع المصرى بعد مرور ربع قرن من الألفية الثالثة، لنرى كيف تمضى أحواله من صعب إلى أصعب. إنه وصف لتصرفات الناس، وتدابير السلطة، وما صنعه ذلك من مواقف وأمور وظواهر، باتت تتواشج كقطع «البازل» لتشكل لوحة لمجتمعنا، تطل منها أمارات الخطر وعلاماته، ليبددها الناس على اختلاف مناهلهم الثقافية، ومصالحهم الاقتصادية، وطبقاتهم وشرائحهم وفئاتهم الاجتماعية، وتوجهاتهم السياسية، وتنوع مهنهم وحرفهم، واشتعال آمالهم وأشواقهم إلى تحسين شروط الحياة.

وتتعاون فى تشكيل هذه اللوحة عدة علوم أو معارف، يمكنها أن تنتظم تحت طائلة «الدراسات الثقافية» ومنها الاجتماع السياسى، والتحليل الاقتصادى، والاقتراب النفسى، والنهج التاريخى، وعطاء الجغرافيا لاسيما فى وصف المكان وعرض الموارد البشرية، والأنثربولوجيا التى تغوص إلى أعماق الأشياء والأقوال والأفعال.

لكن كاتبها، مع هذا، لا يطل على المجتمع وظواهره من نافذة هذه العلوم فقط، إنما يقف فى قلب الميدان، حيث أنصت إلى ما يهمس به الناس ويصرخون، وهو يقف وسطهم، وما يظهر من سكناتهم وإيماءاتهم وحركاتهم.

فقد خرجت سطور الكتاب من قلب الشارع والسوق والمعمل والحقل والمصنع ومكان العمل، ومن التاريخ إلى الحاضر، ومن الفرد والأسرة إلى المجتمع. هى كتابة الخندق وليس المكتب الفخم. خندق لأن هذا الكتاب أشبه بمعركة يجب أن نخوضها، وهى كذلك كتابة بالمشرط لأنه الكتاب أشبه بجراحة خطرة لا بد من إجرائها، فنفحص الداء أولًا، ونشخصه، ونصفه بدقة، وهى مهمة ضرورية قبل الشروع فى وضع أى علاج.

لم أركن فى هذا الكتاب إلى الصياغات الأكاديمية، فينفر منها القارئ العادى الذى تقصده، لكنها راعت المنهج العلمى فى التفكير، ولم تركن إلى نقولات من بطون الكتب، لأنها أخذت فى الاعتبار ما ينطق به الناس، وهو نصف العلم الاجتماعى من دون شك. ولهذا آثرت أن أصف المجتمع المصرى فى نقاط محددة، بعد تأصيل للثوابت التى يقيم عليها بنيانه.

يعتبر هذا الكتاب محاولة لوصف مصر الآن، ربما تفيد من يروم إصلاحًا، أو على الأقل تفتح أفقا للنقاش حول حال مجتمع بات فى خطر شديد، فمنذ أن أجرى «المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية» مسحًا شاملًا للمجتمع المصرى عام ١٩٨١، وهو لم يرجع إلى هذا على أهميته، رغم مرور أكثر من أربعة عقود على ما قام به هذا المركز المهم، وحدوث تغيرات عميقة فى المجتمع، تستلزم النظرة الشامة إليها.

قبل هذا بنحو مائة وثمانين عامًا قدم علماء الحمة الفرنسية كتابهم «وصف مصر»، الذى درسوا فيه كل شيء فى البلاد، وتكرر الأمر بطريقة أخرى مع «الخطط التوفيقية» التى قام بها على باشا مبارك، وهو يضع تصوراته حول النهوض بالبلاد، لاسيما فى مجال التعليم.

وهذه الدراسات الشاملة صارت جزءًا أصيلًا من «تاريخ المجتمع» و«تاريخ العلم الاجتماعي»، يمكن العودة إليها كخلفيات لدراسات معاصرة، لكنها لا تغنى عن وجود دراسات جديدة لمجتمعنا، تراه فى تداخله وتفاعله، أو فى التأثيرات المتبادلة للظواهر والمواقف والوقائع والأحداث، التى تتعانق فى الواقع، ولا تنفصل إلا على سبيل الدراسة الصغيرة أو النووية، التى تنشغل بشىء محدد، وتتعمق فيه بعيدًا، لتسبر أغواره.

إننا فى حاجة ماسة إلى نظرة شاملة لمجتمعنا، تُشارك فيها عطاءات علوم عدة، وتُصاغ بلغة قابلة للتداول على نطاق واسع. ونحن بحاجة أيضًا إلى من يقومون بمهمة الوسيط بين الأكاديمى والمتلقى العادى باقتدار، وعن طيب خاطر، ليعرف أهل مصر المعاصرون ما آل إليه مجتمعهم الذى هبت عليه عواصف كثيرة، كنست فى طريقها الكثير من الأفكار والتصرفات، وأتت فى ركابها بالجديد، الذى لم يًرصد ويُدرس، إلى الآن، على نحو سليم.

نحن فى خطر لكل هذا، وهو خطر يحيط بنا من كل جانب، وأغلب الناس فى بلادنا لا ينتبهون لهذا الخطر، أو يعرفون ويغفلونه أو يبحثون فيه عن أى فائدة أو منفعة ضيقة عابرة، أو يقفون منه موقف الصمت والعاجز، بينما تجارب التاريخ تقول بوضوح وجلاء إن الشعوب التى صمتت واستسلمت للتنويم السياسى الطويل، الذى كان يلهيها عن السوس الذى ينخر فى أوصالها، أو التى استمرأت خداعا وتلذذت به، أو عجزت عن صده ورده استيقظت على فجيعة أو كارثة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«أبواب الأذى» التى انفتحت بـ«صالون الثلاثاء» على أوجاع المصريين «أبواب الأذى» التى انفتحت بـ«صالون الثلاثاء» على أوجاع المصريين



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt