توقيت القاهرة المحلي 10:05:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«أبواب الأذى» التى انفتحت بـ«صالون الثلاثاء» على أوجاع المصريين

  مصر اليوم -

«أبواب الأذى» التى انفتحت بـ«صالون الثلاثاء» على أوجاع المصريين

بقلم : عمار علي حسن

فى صالون الثلاثاء الذى تقيمه مؤسسة أحمد حسين للثقافة والفنون تحدثت عن كتابى «أبواب الأذى.. دفتر أوجاع أهل مصر»، الصادر عن دار الشروق بالقاهرة مؤخرا، وأشرح فيه أحوال المجتمع المصرى حاليا، عبر دراسات ومقالات معمقة، ولوحات اجتماعية، تعتمد على المعاينة والمشاهدة والوصف والتحليل لمشكلاتنا وأمراضنا الاجتماعية التى يجب علينا مواجهتها وعلاجها.

قلت للحاضرين من رواد الصالون إننا أصبحنا مجتمعا فى خطر، وأن هذه حقيقة لا مواربة فيها، وهى ليست محل شك أو ريبة أو تهوين إلا عند جاهل أو غافل أو متواطئ، وأن لهذا الخطر ألف باب، وآلاف النوافذ، تهب رياحه، بل عاصفته من كل اتجاه، تحمل معها غبارًا مسمومًا.

لقد تعدى الأمر عتبة الحديث عن ضعف فى بنيتنا الاجتماعية أو توعكها ومرضها، أو صعوبة الخروج من ضيق الآنى نحو براح الآتى، إلى ما يهدد بقاءنا، أو يبقينا مرضى خاملين، فى ركود وخمود وقعود، بل فى كساح أصاب عظم المجتمع، بل نفذ إلى نخاعه.

إن ما يمر به المصريون حاليًا هو شىء فوق ما عرفوه وألفوه زمنًا طويلًا، فتعايشوا معه، وتحايلوا عليه، ولم يفقدوا الأمل فى الانتصار وإن تأخر، والعبور وإن قامت فى طريقه العثرات، شوكًا وجمرًا وسدودًا وقيودًا، أو نصبت الفخاخ متاهة مصمتة، لا سبيل للمروق منها، إلا بجهد جهيد، يصنعه وعى الرجال، وتحققه عزائمهم الصلبة.

حقا إن المجتمع المصرى فى خطر لأن العوامل التى ساعدت مجتمعنا على التماسك على مدار قرون طويلة تتآكل وتتحلل، ولتردى مستوى التعليم، وسيطرة الرؤية القاصرة عليه، ولتراجع دورنا الثقافى، وغرق مجتمعنا فى الغيبيات، وعدم الاهتمام بإتقان العمل، وتهديد الحرف والمهن التى عرفناها وألفناها على مدار تاريخ طويل. واستسهال ارتكاب الناس للمخالفات والجنح والجرائم، وتفشى الفقر والعوز والإملاق، وانتشار روح التسلف والتطرف معًا.

لقد جاء هذا الكتاب ليصف المجتمع المصرى بعد مرور ربع قرن من الألفية الثالثة، لنرى كيف تمضى أحواله من صعب إلى أصعب. إنه وصف لتصرفات الناس، وتدابير السلطة، وما صنعه ذلك من مواقف وأمور وظواهر، باتت تتواشج كقطع «البازل» لتشكل لوحة لمجتمعنا، تطل منها أمارات الخطر وعلاماته، ليبددها الناس على اختلاف مناهلهم الثقافية، ومصالحهم الاقتصادية، وطبقاتهم وشرائحهم وفئاتهم الاجتماعية، وتوجهاتهم السياسية، وتنوع مهنهم وحرفهم، واشتعال آمالهم وأشواقهم إلى تحسين شروط الحياة.

وتتعاون فى تشكيل هذه اللوحة عدة علوم أو معارف، يمكنها أن تنتظم تحت طائلة «الدراسات الثقافية» ومنها الاجتماع السياسى، والتحليل الاقتصادى، والاقتراب النفسى، والنهج التاريخى، وعطاء الجغرافيا لاسيما فى وصف المكان وعرض الموارد البشرية، والأنثربولوجيا التى تغوص إلى أعماق الأشياء والأقوال والأفعال.

لكن كاتبها، مع هذا، لا يطل على المجتمع وظواهره من نافذة هذه العلوم فقط، إنما يقف فى قلب الميدان، حيث أنصت إلى ما يهمس به الناس ويصرخون، وهو يقف وسطهم، وما يظهر من سكناتهم وإيماءاتهم وحركاتهم.

فقد خرجت سطور الكتاب من قلب الشارع والسوق والمعمل والحقل والمصنع ومكان العمل، ومن التاريخ إلى الحاضر، ومن الفرد والأسرة إلى المجتمع. هى كتابة الخندق وليس المكتب الفخم. خندق لأن هذا الكتاب أشبه بمعركة يجب أن نخوضها، وهى كذلك كتابة بالمشرط لأنه الكتاب أشبه بجراحة خطرة لا بد من إجرائها، فنفحص الداء أولًا، ونشخصه، ونصفه بدقة، وهى مهمة ضرورية قبل الشروع فى وضع أى علاج.

لم أركن فى هذا الكتاب إلى الصياغات الأكاديمية، فينفر منها القارئ العادى الذى تقصده، لكنها راعت المنهج العلمى فى التفكير، ولم تركن إلى نقولات من بطون الكتب، لأنها أخذت فى الاعتبار ما ينطق به الناس، وهو نصف العلم الاجتماعى من دون شك. ولهذا آثرت أن أصف المجتمع المصرى فى نقاط محددة، بعد تأصيل للثوابت التى يقيم عليها بنيانه.

يعتبر هذا الكتاب محاولة لوصف مصر الآن، ربما تفيد من يروم إصلاحًا، أو على الأقل تفتح أفقا للنقاش حول حال مجتمع بات فى خطر شديد، فمنذ أن أجرى «المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية» مسحًا شاملًا للمجتمع المصرى عام ١٩٨١، وهو لم يرجع إلى هذا على أهميته، رغم مرور أكثر من أربعة عقود على ما قام به هذا المركز المهم، وحدوث تغيرات عميقة فى المجتمع، تستلزم النظرة الشامة إليها.

قبل هذا بنحو مائة وثمانين عامًا قدم علماء الحمة الفرنسية كتابهم «وصف مصر»، الذى درسوا فيه كل شيء فى البلاد، وتكرر الأمر بطريقة أخرى مع «الخطط التوفيقية» التى قام بها على باشا مبارك، وهو يضع تصوراته حول النهوض بالبلاد، لاسيما فى مجال التعليم.

وهذه الدراسات الشاملة صارت جزءًا أصيلًا من «تاريخ المجتمع» و«تاريخ العلم الاجتماعي»، يمكن العودة إليها كخلفيات لدراسات معاصرة، لكنها لا تغنى عن وجود دراسات جديدة لمجتمعنا، تراه فى تداخله وتفاعله، أو فى التأثيرات المتبادلة للظواهر والمواقف والوقائع والأحداث، التى تتعانق فى الواقع، ولا تنفصل إلا على سبيل الدراسة الصغيرة أو النووية، التى تنشغل بشىء محدد، وتتعمق فيه بعيدًا، لتسبر أغواره.

إننا فى حاجة ماسة إلى نظرة شاملة لمجتمعنا، تُشارك فيها عطاءات علوم عدة، وتُصاغ بلغة قابلة للتداول على نطاق واسع. ونحن بحاجة أيضًا إلى من يقومون بمهمة الوسيط بين الأكاديمى والمتلقى العادى باقتدار، وعن طيب خاطر، ليعرف أهل مصر المعاصرون ما آل إليه مجتمعهم الذى هبت عليه عواصف كثيرة، كنست فى طريقها الكثير من الأفكار والتصرفات، وأتت فى ركابها بالجديد، الذى لم يًرصد ويُدرس، إلى الآن، على نحو سليم.

نحن فى خطر لكل هذا، وهو خطر يحيط بنا من كل جانب، وأغلب الناس فى بلادنا لا ينتبهون لهذا الخطر، أو يعرفون ويغفلونه أو يبحثون فيه عن أى فائدة أو منفعة ضيقة عابرة، أو يقفون منه موقف الصمت والعاجز، بينما تجارب التاريخ تقول بوضوح وجلاء إن الشعوب التى صمتت واستسلمت للتنويم السياسى الطويل، الذى كان يلهيها عن السوس الذى ينخر فى أوصالها، أو التى استمرأت خداعا وتلذذت به، أو عجزت عن صده ورده استيقظت على فجيعة أو كارثة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«أبواب الأذى» التى انفتحت بـ«صالون الثلاثاء» على أوجاع المصريين «أبواب الأذى» التى انفتحت بـ«صالون الثلاثاء» على أوجاع المصريين



GMT 11:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وتسويق الملفّ النووي…

GMT 11:25 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

تساقط المدن

GMT 11:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وإسرائيل وما بينهما

GMT 11:23 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

... عن الفضيحة والرأسماليّة

GMT 11:22 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

سير ستارمر... يستقيل أمْ يُقال؟

GMT 11:21 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الخطوط الحمر

GMT 11:20 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي

GMT 11:19 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الإمبراطورية الألمانية... زمن صحوة البوندسفير

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - القوات الأميركية تنسحب من قاعدة التنف شرق سوريا

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt