توقيت القاهرة المحلي 11:49:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عن تهميش بعض العلوم وأكذوبة «كليات القمة» و«كليات القاع»

  مصر اليوم -

عن تهميش بعض العلوم وأكذوبة «كليات القمة» و«كليات القاع»

بقلم : عمار علي حسن

لا يقتصر التهميش فى عالم الكتابة والتأليف والإبداع على ألوان الآداب والفنون وصنوفها بل يمتد إلى ما بين علماء الإنسانيات والطبيعيات من إدراك كل منهم للآخر، من ناحية، وبين ربط كل علم أو معرفة بفرصها المادية فى الحياة من جهة ثانية.

أتذكر فى هذا المقام صديقاً هو أستاذ فى «الخدمة الاجتماعية»، متمكنًا فى تخصصه على المستوى النظرى ويسعى إلى تنفيذ ما يعرفه فى واقع الناس، على قدر الاستطاعة، أجده كثيرًا ما يشكو لى من أن أساتذة «علم الاجتماع» يتعالون على بنى تخصصه، ويغمطونهم حقوقهم، ويغبنونهم فى جوائز الدولة وغيرها.

وأعرف أن حقل «الثقافة السياسية» ينظر إليه بين بعض علماء السياسة على أنه العامل الخلفى فى تفسير الظواهر السياسية، يُستدعى حين تخفق العوامل الأخرى فى تقديم التفسير والتنبؤ. ورغم أن علم السياسة فى الغرب تجاوز هذه النظرة التقليدية، التى تنطوى بالقطع على خطأ جسيم، فإنه فى بلادنا لا يزال أسير هذه التقليد، لذا لا نجد مساقًا لتدريس الثقافة السياسية، الذى يعنى بالمعرفة التى تنتج قيمًا أو أُطرًا وتصورات، تخلق مواقف واتجاهات لدى كثير من الناس. ويُترك هذا الحقل موزعًا على الاجتماع السياسى والنظم السياسية وغيرهما أحيانًا.

وتعانى دراسة الفلسفة الآن من إهمال شديد، مع أنها «أم العلوم»، إذ لا يخلو علم، إنسانى أو طبيعى، من فلسفة ما، وهناك مساق مهم فى «فلسفة العلم» يتحمس لها علماء ثقات، مع هذا فإن أقسام الفلسفة فى كليات الآداب يلتحق بها أصحاب المجموع الأقل فى الثانوية العامة، وينظر المجتمع إلى دارسى الفلسفة على أنهم مختصون فى معرفة ليست لها فرص عمل كثيرة، بل قد تبدو معدومة فى نظر كثيرين.

وما تعانى منه الفلسفة يصيب علمى التاريخ والجغرافيا أيضًا، بشكل جارح وبارح، على أهميتهما. فدراسة التاريخ مهمة لعموم الناس، وأكثر أهمية لأقل الحكم والقرار، فهو الذى يجعلنا نوظف الماضى فى معرفة الحاضر، واستشراف المستقبل. والجغرافيا البشرية والطبيعية غاية فى الأهمية كى ينعرف موقعنا من العالم، فلا فهم لكل شىء دون إلمام بتفاصيل المكان، ولا خطة تنمية بوسعها إهمال عطاء الجغرافيا فى فهم إمكانياتنا على سطح الأرض وفى جوفها، وهى مسألة يشترك فيها علم الجيولوجيا، أو ما تهديه إلينا الجغرافيا من الوقوف السليم على حجم السكان وكيفهم، فهم أساس الإنتاج المادى والمعنوى والرمزى، وهم غاية أى إنجاز مادى نحققه.

وكانت دراسة التجارة والاقتصاد تمكن صاحبها من تحصيل فرص عمل جيدة، أيام التوسع فى تأسيس الشركات والمؤسسات الهادفة للربح، فيقبل عليها طلاب العلم إقبالًا واسعًا، فإن ضعف الاقتصاد، وتراجع دور القطاع الخاص، ضاق هذا العلم بأهله، وتراجعت نظرة المجتمع إلى المختصين فيه، وبات عليهم أن يبحثوا عن مهن أخرى بعيدة عما حصلوه من معرفة.

ودراسة القانون التى كانت قبل قرن من الزمن فى مصر هى الأعلى مقامًا، إذ كانت تفرز للبلاد نخبتها السياسية والعدلية، تراجعت اليوم بشكل ملحوظ، حتى صار دارسوه يلاقون صعوبة فى الحصول على فرص عمل توفر لهم حياة كريمة، اللهم إلا من يلتحق بسلك القضاء. أما المحاماة فقد اكتظت بأصحابها، فلا يبرز فيها ويحقق منها عائدًا ماليًا سخيًا أو شهرة إلا قلة، بينما الكثرة تعانى من شظف العيش، والعيش فى العتمة.

وداخل حقل الطب يتعامل أبناؤه مع دارسى طب الأسنان أو العلاج الطبيعى على أنهم أقل شأنًا، مع أن الأسنان عضو مهم فى الجسد، وآلامها من أشد الآلام، فيما يصبح العلاج الطبيعى لبعض المرضى أمرًا حيويًا لا يمكن الاستغناء عنه لضمان صحة عامة طيبة. وفى مجتمعات يتعامل طرف كبير منها مع الأمراض والاضطرابات النفسية على أنها ضرب من العار، يُنظر إلى الإخصائيين النفسيين من علٍ بين الأطباء، ويتم التعامل معهم أحيانًا على أنهم منهمكون فى مسألة من الصعب الحسم فيها خلال التشخيص وتقدير العلاج، قياسًا إلى الأمراض الباطنة، وطب العيون، وطب الأنف والأذن والحنجرة، والمسالك البولية، والنساء والتوليد، والعظام... إلخ.

ورغم أن الطب البيطرى غاية فى الأهمية فى عالم الإنتاج الحيوانى، الذى يشكل أحد أعصاب الاقتصاد القومى، فلا تزال مجتمعاتنا تتعامل مع الطبيب البيطرى على أنه رجل تخصص فى شأن أقل أهمية من الطب البشرى، رغم أنه مكلف بامتلاك بصيرة طبية عالية، لأنه يتصدى لمداواة كائنات لا تنطق، فتشكو آلامها، وتصف أعراض مرضها، فيسهل التشخيص والعلاج.

وبين دارسى الهندسة من يعلون شأن المهندس المدنى فى أيام اهتمام الدولة والمجتمع بالتشييد والبناء والعمران، بينما كان هناك وقت بلغ فيه مهندسو الرى شأنًا عظيمًا وقت أن كانت تتوسع الدولة فى الزراعة، حتى غنى مطربون أغنيات له، باعتباره عمودًا أساسيًا فى التنمية. يحدث الأمر نفسه مع مهندسى الميكانيكا إن كانت هناك خطة كبرى فى تعزيز الصناعة، والعكس صحيح. وحين تنفجر ثورة الاتصال فى العالم أجمع يعلو شأن مهندسى الاتصالات والمبرمجين. ولا عيب فى كل هذا بحد ذاته، إنما العيب هو فى التقليل من شأن التخصصات الأخرى فى الهندسة.

إن بين مختلف العلوم رحمًا، فالعلم واحد فى أصله، وإنما التفريع إلى مساقات أو حقول معرفية جاء مع تعقد ظروف الحياة، واتساع مناهل العلوم ومشاربها وحجم المعارف التى تنطوى عليها. والعلوم الإنسانية جميعًا تتعاون فى تفسير الظواهر والأحوال التى يمر بها البشر، والتى لا يمكن لمختصين فى فرع علمى واحد، أن ينهضوا بهذه المهمة، لهذا لا مجال لرفع شأن فرع علمى، والحط من شأن غيره.

إن الإنصاف يقتضى الإقرار بأهمية كل العلوم، إنسانية كانت أو طبيعية، وحاجة المجتمع إليها جميعًا، فلا يوجد علم بلا فائدة، أو عالة على الحياة، ويجب ألا تكون بيننا «كليات قمة» و«كليات قاع»، حسب التصور الدارج والمتداول، الذى يجب ألا يظهر فى مجتمع يؤمن بالتنمية الشاملة التى تهتم بالبشر قدر اهتمامها بالأشياء، وتدرك أن يقظة المعانى لا تقل أهمية عن صحوة المبانى.


 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن تهميش بعض العلوم وأكذوبة «كليات القمة» و«كليات القاع» عن تهميش بعض العلوم وأكذوبة «كليات القمة» و«كليات القاع»



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt