توقيت القاهرة المحلي 08:26:09 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عن تهميش بعض العلوم وأكذوبة «كليات القمة» و«كليات القاع»

  مصر اليوم -

عن تهميش بعض العلوم وأكذوبة «كليات القمة» و«كليات القاع»

بقلم : عمار علي حسن

لا يقتصر التهميش فى عالم الكتابة والتأليف والإبداع على ألوان الآداب والفنون وصنوفها بل يمتد إلى ما بين علماء الإنسانيات والطبيعيات من إدراك كل منهم للآخر، من ناحية، وبين ربط كل علم أو معرفة بفرصها المادية فى الحياة من جهة ثانية.

أتذكر فى هذا المقام صديقاً هو أستاذ فى «الخدمة الاجتماعية»، متمكنًا فى تخصصه على المستوى النظرى ويسعى إلى تنفيذ ما يعرفه فى واقع الناس، على قدر الاستطاعة، أجده كثيرًا ما يشكو لى من أن أساتذة «علم الاجتماع» يتعالون على بنى تخصصه، ويغمطونهم حقوقهم، ويغبنونهم فى جوائز الدولة وغيرها.

وأعرف أن حقل «الثقافة السياسية» ينظر إليه بين بعض علماء السياسة على أنه العامل الخلفى فى تفسير الظواهر السياسية، يُستدعى حين تخفق العوامل الأخرى فى تقديم التفسير والتنبؤ. ورغم أن علم السياسة فى الغرب تجاوز هذه النظرة التقليدية، التى تنطوى بالقطع على خطأ جسيم، فإنه فى بلادنا لا يزال أسير هذه التقليد، لذا لا نجد مساقًا لتدريس الثقافة السياسية، الذى يعنى بالمعرفة التى تنتج قيمًا أو أُطرًا وتصورات، تخلق مواقف واتجاهات لدى كثير من الناس. ويُترك هذا الحقل موزعًا على الاجتماع السياسى والنظم السياسية وغيرهما أحيانًا.

وتعانى دراسة الفلسفة الآن من إهمال شديد، مع أنها «أم العلوم»، إذ لا يخلو علم، إنسانى أو طبيعى، من فلسفة ما، وهناك مساق مهم فى «فلسفة العلم» يتحمس لها علماء ثقات، مع هذا فإن أقسام الفلسفة فى كليات الآداب يلتحق بها أصحاب المجموع الأقل فى الثانوية العامة، وينظر المجتمع إلى دارسى الفلسفة على أنهم مختصون فى معرفة ليست لها فرص عمل كثيرة، بل قد تبدو معدومة فى نظر كثيرين.

وما تعانى منه الفلسفة يصيب علمى التاريخ والجغرافيا أيضًا، بشكل جارح وبارح، على أهميتهما. فدراسة التاريخ مهمة لعموم الناس، وأكثر أهمية لأقل الحكم والقرار، فهو الذى يجعلنا نوظف الماضى فى معرفة الحاضر، واستشراف المستقبل. والجغرافيا البشرية والطبيعية غاية فى الأهمية كى ينعرف موقعنا من العالم، فلا فهم لكل شىء دون إلمام بتفاصيل المكان، ولا خطة تنمية بوسعها إهمال عطاء الجغرافيا فى فهم إمكانياتنا على سطح الأرض وفى جوفها، وهى مسألة يشترك فيها علم الجيولوجيا، أو ما تهديه إلينا الجغرافيا من الوقوف السليم على حجم السكان وكيفهم، فهم أساس الإنتاج المادى والمعنوى والرمزى، وهم غاية أى إنجاز مادى نحققه.

وكانت دراسة التجارة والاقتصاد تمكن صاحبها من تحصيل فرص عمل جيدة، أيام التوسع فى تأسيس الشركات والمؤسسات الهادفة للربح، فيقبل عليها طلاب العلم إقبالًا واسعًا، فإن ضعف الاقتصاد، وتراجع دور القطاع الخاص، ضاق هذا العلم بأهله، وتراجعت نظرة المجتمع إلى المختصين فيه، وبات عليهم أن يبحثوا عن مهن أخرى بعيدة عما حصلوه من معرفة.

ودراسة القانون التى كانت قبل قرن من الزمن فى مصر هى الأعلى مقامًا، إذ كانت تفرز للبلاد نخبتها السياسية والعدلية، تراجعت اليوم بشكل ملحوظ، حتى صار دارسوه يلاقون صعوبة فى الحصول على فرص عمل توفر لهم حياة كريمة، اللهم إلا من يلتحق بسلك القضاء. أما المحاماة فقد اكتظت بأصحابها، فلا يبرز فيها ويحقق منها عائدًا ماليًا سخيًا أو شهرة إلا قلة، بينما الكثرة تعانى من شظف العيش، والعيش فى العتمة.

وداخل حقل الطب يتعامل أبناؤه مع دارسى طب الأسنان أو العلاج الطبيعى على أنهم أقل شأنًا، مع أن الأسنان عضو مهم فى الجسد، وآلامها من أشد الآلام، فيما يصبح العلاج الطبيعى لبعض المرضى أمرًا حيويًا لا يمكن الاستغناء عنه لضمان صحة عامة طيبة. وفى مجتمعات يتعامل طرف كبير منها مع الأمراض والاضطرابات النفسية على أنها ضرب من العار، يُنظر إلى الإخصائيين النفسيين من علٍ بين الأطباء، ويتم التعامل معهم أحيانًا على أنهم منهمكون فى مسألة من الصعب الحسم فيها خلال التشخيص وتقدير العلاج، قياسًا إلى الأمراض الباطنة، وطب العيون، وطب الأنف والأذن والحنجرة، والمسالك البولية، والنساء والتوليد، والعظام... إلخ.

ورغم أن الطب البيطرى غاية فى الأهمية فى عالم الإنتاج الحيوانى، الذى يشكل أحد أعصاب الاقتصاد القومى، فلا تزال مجتمعاتنا تتعامل مع الطبيب البيطرى على أنه رجل تخصص فى شأن أقل أهمية من الطب البشرى، رغم أنه مكلف بامتلاك بصيرة طبية عالية، لأنه يتصدى لمداواة كائنات لا تنطق، فتشكو آلامها، وتصف أعراض مرضها، فيسهل التشخيص والعلاج.

وبين دارسى الهندسة من يعلون شأن المهندس المدنى فى أيام اهتمام الدولة والمجتمع بالتشييد والبناء والعمران، بينما كان هناك وقت بلغ فيه مهندسو الرى شأنًا عظيمًا وقت أن كانت تتوسع الدولة فى الزراعة، حتى غنى مطربون أغنيات له، باعتباره عمودًا أساسيًا فى التنمية. يحدث الأمر نفسه مع مهندسى الميكانيكا إن كانت هناك خطة كبرى فى تعزيز الصناعة، والعكس صحيح. وحين تنفجر ثورة الاتصال فى العالم أجمع يعلو شأن مهندسى الاتصالات والمبرمجين. ولا عيب فى كل هذا بحد ذاته، إنما العيب هو فى التقليل من شأن التخصصات الأخرى فى الهندسة.

إن بين مختلف العلوم رحمًا، فالعلم واحد فى أصله، وإنما التفريع إلى مساقات أو حقول معرفية جاء مع تعقد ظروف الحياة، واتساع مناهل العلوم ومشاربها وحجم المعارف التى تنطوى عليها. والعلوم الإنسانية جميعًا تتعاون فى تفسير الظواهر والأحوال التى يمر بها البشر، والتى لا يمكن لمختصين فى فرع علمى واحد، أن ينهضوا بهذه المهمة، لهذا لا مجال لرفع شأن فرع علمى، والحط من شأن غيره.

إن الإنصاف يقتضى الإقرار بأهمية كل العلوم، إنسانية كانت أو طبيعية، وحاجة المجتمع إليها جميعًا، فلا يوجد علم بلا فائدة، أو عالة على الحياة، ويجب ألا تكون بيننا «كليات قمة» و«كليات قاع»، حسب التصور الدارج والمتداول، الذى يجب ألا يظهر فى مجتمع يؤمن بالتنمية الشاملة التى تهتم بالبشر قدر اهتمامها بالأشياء، وتدرك أن يقظة المعانى لا تقل أهمية عن صحوة المبانى.


 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن تهميش بعض العلوم وأكذوبة «كليات القمة» و«كليات القاع» عن تهميش بعض العلوم وأكذوبة «كليات القمة» و«كليات القاع»



GMT 11:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وتسويق الملفّ النووي…

GMT 11:25 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

تساقط المدن

GMT 11:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وإسرائيل وما بينهما

GMT 11:23 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

... عن الفضيحة والرأسماليّة

GMT 11:22 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

سير ستارمر... يستقيل أمْ يُقال؟

GMT 11:21 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الخطوط الحمر

GMT 11:20 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي

GMT 11:19 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الإمبراطورية الألمانية... زمن صحوة البوندسفير

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - القوات الأميركية تنسحب من قاعدة التنف شرق سوريا

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt