دون عدل لا تكون دولة حديثة، إنما غابة كبرى لها من يديرها. ولا نقصد بالعدل هنا احترام الدستور والقانون واستقلال القضاء فقط، بل العدل السياسى الذى يعنى احترام إرادة الشعب، والتعبير عنها، وأن تكون الأمة هى مصدر السلطات. ونريد أيضا العدل الاجتماعى بمعنى منع أن تكون الأموال فى يد القلة بينما الكثرة تئن من فرط الجوع والمرض، وكذلك إطلاق تكافؤ الفرص بين الناس فلا يتميز أحد على أحد إلا باجتهاده وجهاده فى مسالك الحياة من أجل تحسين شروطها. دون عدل سيتهالك البناء، ويهتز، ويسقط على رؤوس الجميع.
(٢)
أعيتهم الحيل فى البحث عن مخرج من المأزق الاقتصادى الذى نكابده، بينما الحل واضح جدًا، وتفاديه أو التغافل عنه أو تجاهله سيجعل كل الإجراءات الاقتصادية، حتى لو جاءت محكمة، تنتهى إلى بوار.
الحل سياسى، لاسيما فى أيامنا هذه، التى تحتاج فيها رؤوس الأموال الهاربة من المناطق المضطربة إلى بيئة آمنة، للسكنى والاستثمار. والأمن الحقيقى يأتى بنزع كل أسباب تقود إلى غضب وانفجار، أو التقليل منها، وهذا يأتى فى ركاب السياسة ورحابها، دون كلفة أو عناء.
لسنا دولة ريعية أو تراكم لديها ما يحقق الرضاء الشعبى منزوع السياسة، كما يحدث فى بعض البلدان، ولذا فالسياسة حل، ولهذا طرقه وأساليبه.
إنها فرصة أوجدتها ظروف دولية وإقليمية، فإن لم ننتهزها، وأضعناها كما ضيعنا فرصًا سابقة، فلا نلومن إلا أنفسنا، لأن كل شىء الآن على الحافة.
(٣)
نحن فى خطر لغرق مجتمعنا فى الغيبيات مع القلق من المستقبل، وفقدان اليقين، وشح المعلومات، وتزعزع التفكير العلمى. فالأغلبية الآن مشتبكة مع أنماط من الشرود الغييبى، ليتسع المجال لضاربى الودع، وقارئى الكف، والمنجمين متابعى الأفلاك، والسحرة والمشغوذين، ومن يزعمون مخاواة الجن، ومدعى الكرامات، ومفسرى الرؤى والأحلام، أو جالبى الحبيب. الكل يبحث عما يشفى غليله، أو يمنحه بعض الطمأنينة، أو يخفف عنه وطأة الحاضر، ليس فى كتب العلم، ولا فى إعادة قراءة التاريخ بعقل واع متفتح، ولا بالتأمل العميق فى أحوال الناس، إنما باللجوء إلى بائعى الوهم؟.
(٤)
انتشار المخدرات بين الشباب، ومنهم صبية صغار، بات مفزعا. هل نعتقد أن الخطر لا يأتى سوى من الإرهاب؟ سبق أن برهنت على أن الفساد أخطر من الإرهاب. أما المخدرات، بهذه النوعية المصنعة، التى تدمر كل شيء فى متعاطيها، جسده وعقله ومشاعره، فهى أخطر من الإثنين. لابد من وقفة، قبل فوات الأوان.
(٥)
جاء اليوم العالمى للصحافة، ليجد الصحافة تشكو من تضييق، وحجب أصوات بعض الناس، ولولا بعض الصحف المستقلة والمواقع الإعلامية، ومعها مواقع التواصل الاجتماعى، على ارتجالها وفوضاها وعدم دقتها أحيانًا، ما وجد الشعب متنفسًا. الصحافة الحرة ليست ترفًا أبدًا، بل ضرورة لبناء دولة مدنية عصرية.
(٦)
الحقيقة التى لا مواربة فيها أن الجيش الأمريكى لم يحقق منفردا نصرا دائما فى أى حرب حتى لو نجح فى بدايتها، موظفا قدرته النيرانية والتقنية الهائلة. يهاجم هذا الجيش من يعتدى عليهم وسط دعايات زاعقة يطلقها ما يملكه من إعلام هو الأقوى
فى العالم ثم لا يلبث أن ينزف حتى يخرج جريحًا ذليلًا ولو بعد سنوات.
لهذا من العبث أن تتصرف أى دولة على أنها فى مأمن طالما كانت فى حماية أمريكا، فالأخيرة سبق لها أن تخلت عن حلفائها وهربت مرات عدة، آخرها كان فى أفغانستان فى أغسطس ٢٠٢١.
الثابت أيضا أن هذا الجيش هو صاحب واحدة من أكبر عملية استسلام فى تاريخ الحروب، ففى عام ١٩٤٢، وخلال الحرب العالمية الثانية استسلم ٧٨ ألف جندى أمريكى وفلبينى لأربعة آلاف فقط من المقاتلين اليابانيين، فى معركة باتان، وسيق هؤلاء خاضعين إلى الأسر سيرا على الأقدام لمسافة ٩٠ كيلومترا، وفى مقدمتهم قائدهم الجنرال إدوارد كينج، ومات فى الطريق ستة آلاف منهم، وتعتبر هذه الحادثة من أكبر الهزائم العسكرية فى التاريخ.
(٧)
تحية للصحفية الأستاذة آلاء سعد التى ناضلت فى سبيل إنهاء التمييز ضد الإناث، فتيات وسيدات، من الإقامة بمفردهن فى الفنادق، لتنهى وقائع مريرة بكت فيها نساء مغتربات أمام موظفى الاستقبال فى فنادق دون جدوى، وكن يحتجن إلى مأوى لأيام فى سفر، ومنهن طبيبات ومهندسات ومدرسات ومحاميات وصحفيات.
ورغم أن اتحاد الغرف السياحية، والمجلس القومى للمرأة، واتحاد نساء مصر طالما نبه إلى أن عدم تمكين النساء من الإقامة المنفردة بالفنادق يعد تمييزًا على أساس النوع، ينتهك الدستور، فإن الفنادق استمرت فى تنفيذ ما درجت عليه من أعراف وتقاليد أو تعليمات قديمة.
انتهى هذا اليوم، فقد قضت إحدى محاكم جُنح مستأنف على مدير أحد الفنادق بإجماع الآراء بإلغاء حكم أول درجة وقبول استئناف النيابة بالحبس غيابيًا لمدة سنة وغرامة خمسون ألف جنيه عن الاتهام المسند للمتهم فى واقعة تمييز ضد آلاء سعد، خلال شهر يناير الماضى.
(٨)
«نحن أبناء الفلاحين/ نمشى بعيون سوداء
من كثرة ما نظرنا إلى الأرض/ لو أننا نظرنا إلى السماء/ - فقط بضع دقائق-/ لصارت عيوننا زرقاء/ ولمات العالم من الجوع».
هذا مقطع من قصيدة للشاعر والصحفى الأستاذ سيد العديسى الذى غادر دنيانا قبل أيام وهو فى ريعان شبابه.
رحمه الله عليه، وخالص العزاء والمواساة لأخيه الكاتب الصحفى الأستاذ إيهاب مصطفى، ولعائلته الكريمة فى صعيد مصر.