توقيت القاهرة المحلي 15:52:16 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الحق في الديمقراطية وفي مساءلتها

  مصر اليوم -

الحق في الديمقراطية وفي مساءلتها

بقلم: حسام عيتاني

انتزع الرئيس فلاديمير بوتين من الأفغان الحق في اختيار نظام الحكم الذي يناسبهم في معرض انتقاد لمحاولات الغرب فرض نموذجه من الديمقراطية. لكن إبقاء شعوب العالم الثالث أسرى «تقاليدهم» لا يقل اعتباطاً عن كل محاولات استيراد صيغ جاهزة من الحكم.
وقال بوتين في المؤتمر الصحافي المشترك مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل: «من الضروري التوقف عن السياسة غير المسؤولة بفرض قيمنا على الآخرين ومحاولة بناء ديمقراطية في بلدان أخرى تقوم على نماذج من الخارج من دون الأخذ في الاعتبار المسائل التاريخية والإثنية والدينية، وتتجاهل تجاهلاً كاملاً تقاليد الشعوب الأخرى».
يتردد في كلام الرئيس الروسي صدى مقولات النظرية الأوراسية التي تجد تأييداً رسمياً في موسكو والرافضة لكونية النموذج الغربي من الليبرالية - الديمقراطية والقائلة بأن روسيا تتميز بخصائص تنبع من تراثها الذي ينطوي على عناصر من أوروبا وآسيا معاً، وهي بالتالي حضارة قائمة بذاتها لا يصح فيها ما يصح في المجتمعات والدول الغربية، وخصوصاً نظام الحكم الديمقراطي.
بيد أن بوتين أغفل أثناء توسيعه المقولات التي يبرر فيها تخلي حكمه عن الأفكار الديمقراطية التي وجدت موطئ قدم لها في روسيا في التسعينات والعقد الأول من الألفية الحالية، حق الأفغان - وكل الشعوب التي لا تنتمي إلى الغرب - في اختيار نموذج تراه الأفضل لتحكم نفسها به. وألزم الرئيس الروسي الأفغان والآخرين البقاء ضمن أنظمة تتلاءم مع تصوراته هو لتراث تلك الشعوب ومساراتها التاريخية والدينية وتقاليدها، وفق ما يفهمه الرئيس الروسي.
وهذا موقف لا يختلف، في العمق، عن الموقف الذي انتقده بوتين؛ ذلك أن ما من شيء ينبئ المراقب الموضوعي عن شكل الحكم والنظام السياسيين اللذين يفضلهما الأفغان ما دام أن رحيل النظام السابق وحلول حركة طالبان مكانه جاءا في إطار الانهيار الشامل الذي لم يترك مجالاً للمواطنين للتعبير عن إرادتهم الحرة.
وسائل الإعلام والمحللون الذين احتفوا بدخول عناصر الحركة الإسلامية إلى القصر الجمهوري في كابل، فعلوا ذلك من مواقع مختلفة، تتراوح بين الثأر لتراجع الحركات الدينية السياسية عن مواقع السلطة في العديد من البلدان وصولاً إلى التبشير بقرب سقوط الإمبراطورية الأميركية.
الديمقراطية تقع في رأس لائحة ما ينبغي الاحتفال بسقوطه: جاء بها الأميركيون، فلتذهب بها طالبان. وكأن الديمقراطية عاشت أزهى عصورها في عهدي حميد كرزاي وأشرف غني اللذين جاءا إلى السلطة على خلفيتين قبليتين ومارسا أثناء رئاستيهما كل ما في قاموس رؤساء العالم الثالث.
ولنتفق، أولاً، على أن الديمقراطية - الليبرالية هي حصيلة مسار تاريخي أوروبي - شمال أميركي استغرق نضوجه مئات الأعوام وظل حتى أواخر القرن التاسع عشر، تتغلب فيه الليبرالية على الديمقراطية، أو ما يسميه المؤرخ إريك هوبزباوم «عصر رأس المال».
احتلال الديمقراطية منزلة مساوية وموازية لليبرالية استغرق عقوداً من النضال العمالي والنقابي ومرّ بحربين عالميتين ليصل إلى الصيغة الحالية التي ما زالت تشهد تنافساً بين هذين المكونين الرئيسيين. سمته الكونية تحققت بعد الانتصار على ألمانيا النازية واليابان العسكرية، وترسخت بعد اختفاء التحدي الجدي الأخير الذي كان يمثله الاتحاد السوفياتي.
من ناحية ثانية، تتعارض كل محاولة لفرض هذا النموذج مع طبيعته البسيطة كخيار حرّ لأفراد أحرار. والسعي إلى إرغام أي شعب على اتباع النموذج الديمقراطي، يتناقض مع التعريف الأولي لهذا النموذج.
ودعونا نقل، ثانياً، إن أي نظام حكم يقوم على تحكيم أقلية، سياسية - عرقية - اجتماعية - دينية، بأكثرية المواطنين، مستغلة أساليب الترهيب والقمع والإقصاء، يتناقض مع ما يفترض أنه قيم عالمية وروح العصر (بالمعنى الإيجابي). ومن حق الأفراد، المكون الأساس للشعوب، أن يختاروا شكل الحكم الذي يتفق مع تطلعاتهم المستقبلية - وبالقدر ذاته - مع تراثهم وتقاليدهم وخياراتهم.
التوازن بين هذين المعطيين (حق الأفراد في الاختيار والاتساق مع الموروث) ليس مستحيلاً على ما يريد لنا أن نقتنع به الرئيس بوتين الذي يجد في خندقه مفكري ما بعد الكولونيالية الرافضين لكل تأثر بالغرب، من جهة، ومن يسقط كل ما تمثله الخصوصيات الوطنية والمحلية من الجهة المقابلة.
ثالثاً، وفي المقابل، ليس من حق أي دولة أو مرجعية آيديولوجية إسقاط تصوراتها على شعوب أخرى، وإذا كانت الديمقراطية هي التجسيد السياسي للحرية من أجل الخير العام، فلا شيء يحول دون أن ترفض أمم ومجتمعات هذا الطريق جراء خشيتها من ضياع هوية أو ثقافة أو تقاليد. وتنتهي هنا فكرة «التقدم» الذي قيل إنه الهدف الأسمى لحركة التاريخ، وتكون تلك المجموعات البشرية قد اختارت مصيرها بنفسها وتتحمل تبعات هذا الخيار.
المهم في كل ذلك هو السؤال عن توفر الحرية للأفراد قبل الجماعات في انتخاب نظام الحكم الذي يلائمها، لا أن يختاره لها رئيس أجنبي بغض النظر عن اسمه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحق في الديمقراطية وفي مساءلتها الحق في الديمقراطية وفي مساءلتها



GMT 09:44 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

GMT 09:42 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

تحديات وقف إطلاق النار

GMT 09:40 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

نيران إسرائيلية صديقة!

GMT 09:38 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

عودة رواد الفضاء

GMT 09:36 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

هولاكو وأمير المؤمنين

GMT 09:35 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

هل ضعفت مناعة لبنان؟

GMT 09:33 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

دائما: مصر تدعم لبنان !

GMT 10:44 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

الحرب وقطاع المنسوجات!

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:37 2023 الجمعة ,03 آذار/ مارس

افتتاح مطعم وجبات خفيفة أثري في إيطاليا

GMT 17:38 2017 الجمعة ,04 آب / أغسطس

قانون للتواصل الاجتماعي

GMT 16:34 2015 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

سيارة Toyota Fortuner 2016 بتصميم مختلف كليًا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt