توقيت القاهرة المحلي 14:07:43 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

  مصر اليوم -

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى لحظات التحول الكبرى لا تنهار أو تتغير المفاهيم دفعة واحدة، بل تتآكل وتتكيف بهدوء حتى تصبح غير قادرة على تفسير الواقع أو توجيه الفعل. هذا بالضبط ما يحدث اليوم مع مفهوم «الأمن القومى العربى» بصيغته التقليدية. فالفكرة التى قامت لعقود على افتراض وجود تهديدات مشتركة وأولويات موحدة، تبدو اليوم عاجزة عن تفسير مشهد إقليمى تتباين فيه المخاطر، وتتعدد فيه مراكز القرار، وتختلف فيه تعريفات الخطر ذاته.

المشكلة لم تعد فى غياب التهديد، بل فى اختلاف إدراكه. ما تعتبره دولة تهديدًا وجوديًا لا يحتمل التأجيل، قد تراه دولة أخرى ملفًا تفاوضيًا أو حتى فرصة سياسية. هذا التباين لم يعد أمرًا هامشيًا، بل أصبح السمة الأساسية للنظام الإقليمى العربى. ومن هنا فإن الاستمرار فى التعامل مع الأمن العربى بوصفه كتلة واحدة متجانسة لم يعد فقط غير دقيق، بل أصبح معيقًا لأى تفكير استراتيجى جاد.

الواقع يشير إلى أن الأمن فى العالم العربى يتشكل فعليًا عبر دوائر متعددة، لكل منها منطقها الخاص. فى الخليج، يتخذ الأمن طابعًا مباشرًا وحادًا، حيث ترتبط التهديدات بالصواريخ والطاقة والممرات البحرية، ما يجعل مفهوم «الردع» هو الإطار الحاكم. فى المشرق، الصورة أكثر تعقيدًا، إذ يتداخل الأمن الداخلى مع الخارجى، وتتقاطع فيه الدولة مع الفاعلين غير الدوليين، وتصبح الشرعية السياسية جزءًا من معادلة الأمن. أما فى المغرب العربى، فإن التهديدات تميل جنوبًا، نحو الحدود المفتوحة، والهجرة، والإرهاب العابر، ما يخلق تصورًا مختلفًا للأمن يرتبط بالجغرافيا بقدر ما يرتبط بالسياسة.

هذا التعدد لا يعنى بالضرورة التفكك، لكنه يكشف عن خلل أعمق فى طريقة التفكير. فالإصرار على خطاب وحدوى لا يعكس الواقع يؤدى إلى نتائج عكسية، تنسيق ضعيف، استجابات متباينة، وعجز عن بناء سياسات فعالة. بمعنى آخر، المشكلة ليست فى تعدد التهديدات، بل فى محاولة إنكار هذا التعدد.

هنا تبرز أهمية إعادة تعريف الأمن، ليس كمفهوم ثابت، بل كعملية إدراك سياسى. التهديد لا يكون تهديدًا فقط لأنه موجود، بل لأنه يُعرَّف كذلك داخل منظومة صنع القرار. هذه الحقيقة تفسر كيف يمكن أن تتعايش فى الإقليم رؤى متناقضة حول نفس القضية، دون أن يكون أحدها بالضرورة «خاطئًا» بالمعنى المطلق. إنها مسألة زاوية نظر، لا مجرد معطيات.

إذا طبقنا هذا الفهم على التطورات الجارية، تتضح الصورة أكثر. التوتر فى الممرات البحرية، مثلًا، يُقرأ فى بعض العواصم كخطر مباشر على بقاء الدولة واقتصادها، بينما يُنظر إليه فى عواصم أخرى كجزء من لعبة توازنات أوسع بين قوى دولية وإقليمية. كذلك فإن تحولات موازين القوى فى ساحات مثل لبنان أو العراق لا تُفهم فقط كأحداث محلية، بل كإعادة ترتيب داخل «دوائر أمنية» أوسع، لكل منها حساباته الخاصة.

فى ظل هذا الواقع، السؤال ليس كيف نعيد إنتاج مفهوم موحد للأمن، بل كيف نبنى نموذجًا قادرًا على إدارة هذا التعدد؟.. وهذه زاوية تحتاج إلى قراءة أعمق.

 

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى» إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»



GMT 09:42 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

تحديات وقف إطلاق النار

GMT 09:40 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

نيران إسرائيلية صديقة!

GMT 09:38 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

عودة رواد الفضاء

GMT 09:36 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

هولاكو وأمير المؤمنين

GMT 09:35 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

هل ضعفت مناعة لبنان؟

GMT 09:33 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

دائما: مصر تدعم لبنان !

GMT 10:44 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

الحرب وقطاع المنسوجات!

GMT 10:41 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

هل يتأثر المتصهينون؟

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:37 2023 الجمعة ,03 آذار/ مارس

افتتاح مطعم وجبات خفيفة أثري في إيطاليا

GMT 17:38 2017 الجمعة ,04 آب / أغسطس

قانون للتواصل الاجتماعي

GMT 16:34 2015 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

سيارة Toyota Fortuner 2016 بتصميم مختلف كليًا

GMT 08:58 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

يتحدث هذا اليوم عن مغازلة في محيط عملك

GMT 11:18 2019 الثلاثاء ,20 آب / أغسطس

اهمية تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر

GMT 18:54 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

مدرب الاتحاد السكندري يُغير طريقة اللعب بعد رحيل هاني رمزي

GMT 20:04 2025 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

ماسك يتوقع أن الذكاء الاصطناعي سيجعل سكان العالم أثرياء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt