توقيت القاهرة المحلي 14:21:06 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

  مصر اليوم -

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى لحظات التحول الكبرى لا تنهار أو تتغير المفاهيم دفعة واحدة، بل تتآكل وتتكيف بهدوء حتى تصبح غير قادرة على تفسير الواقع أو توجيه الفعل. هذا بالضبط ما يحدث اليوم مع مفهوم «الأمن القومى العربى» بصيغته التقليدية. فالفكرة التى قامت لعقود على افتراض وجود تهديدات مشتركة وأولويات موحدة، تبدو اليوم عاجزة عن تفسير مشهد إقليمى تتباين فيه المخاطر، وتتعدد فيه مراكز القرار، وتختلف فيه تعريفات الخطر ذاته.

المشكلة لم تعد فى غياب التهديد، بل فى اختلاف إدراكه. ما تعتبره دولة تهديدًا وجوديًا لا يحتمل التأجيل، قد تراه دولة أخرى ملفًا تفاوضيًا أو حتى فرصة سياسية. هذا التباين لم يعد أمرًا هامشيًا، بل أصبح السمة الأساسية للنظام الإقليمى العربى. ومن هنا فإن الاستمرار فى التعامل مع الأمن العربى بوصفه كتلة واحدة متجانسة لم يعد فقط غير دقيق، بل أصبح معيقًا لأى تفكير استراتيجى جاد.

الواقع يشير إلى أن الأمن فى العالم العربى يتشكل فعليًا عبر دوائر متعددة، لكل منها منطقها الخاص. فى الخليج، يتخذ الأمن طابعًا مباشرًا وحادًا، حيث ترتبط التهديدات بالصواريخ والطاقة والممرات البحرية، ما يجعل مفهوم «الردع» هو الإطار الحاكم. فى المشرق، الصورة أكثر تعقيدًا، إذ يتداخل الأمن الداخلى مع الخارجى، وتتقاطع فيه الدولة مع الفاعلين غير الدوليين، وتصبح الشرعية السياسية جزءًا من معادلة الأمن. أما فى المغرب العربى، فإن التهديدات تميل جنوبًا، نحو الحدود المفتوحة، والهجرة، والإرهاب العابر، ما يخلق تصورًا مختلفًا للأمن يرتبط بالجغرافيا بقدر ما يرتبط بالسياسة.

هذا التعدد لا يعنى بالضرورة التفكك، لكنه يكشف عن خلل أعمق فى طريقة التفكير. فالإصرار على خطاب وحدوى لا يعكس الواقع يؤدى إلى نتائج عكسية، تنسيق ضعيف، استجابات متباينة، وعجز عن بناء سياسات فعالة. بمعنى آخر، المشكلة ليست فى تعدد التهديدات، بل فى محاولة إنكار هذا التعدد.

هنا تبرز أهمية إعادة تعريف الأمن، ليس كمفهوم ثابت، بل كعملية إدراك سياسى. التهديد لا يكون تهديدًا فقط لأنه موجود، بل لأنه يُعرَّف كذلك داخل منظومة صنع القرار. هذه الحقيقة تفسر كيف يمكن أن تتعايش فى الإقليم رؤى متناقضة حول نفس القضية، دون أن يكون أحدها بالضرورة «خاطئًا» بالمعنى المطلق. إنها مسألة زاوية نظر، لا مجرد معطيات.

إذا طبقنا هذا الفهم على التطورات الجارية، تتضح الصورة أكثر. التوتر فى الممرات البحرية، مثلًا، يُقرأ فى بعض العواصم كخطر مباشر على بقاء الدولة واقتصادها، بينما يُنظر إليه فى عواصم أخرى كجزء من لعبة توازنات أوسع بين قوى دولية وإقليمية. كذلك فإن تحولات موازين القوى فى ساحات مثل لبنان أو العراق لا تُفهم فقط كأحداث محلية، بل كإعادة ترتيب داخل «دوائر أمنية» أوسع، لكل منها حساباته الخاصة.

فى ظل هذا الواقع، السؤال ليس كيف نعيد إنتاج مفهوم موحد للأمن، بل كيف نبنى نموذجًا قادرًا على إدارة هذا التعدد؟.. وهذه زاوية تحتاج إلى قراءة أعمق.

 

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى» إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt