توقيت القاهرة المحلي 22:31:10 آخر تحديث
  مصر اليوم -

متحف الصورة الذي لا يخرج إلى النور

  مصر اليوم -

متحف الصورة الذي لا يخرج إلى النور

بقلم: سليمان جودة

كانت الشيخة مي آل خليفة، وزيرة الثقافة السابقة في البحرين، هي أول الذين وضعوا إيلان بابيه حيث يجب أن يوضع عربياً في إطار. كان ذلك ضمن سلسلة محاضرات تنعقد على طول السنة، ويستضيفها مركز يحمل اسم جدها الشيخ إبراهيم.

أما بابيه فهو مفكر يهودي، وأما أفكاره فإنها تنتصر للحق الفلسطيني باستمرار، ولا تتوقف عن رفض كل ما ترتكبه إسرائيل بحق الفلسطينيين في قطاع غزة وفي غير القطاع. فالقضية في فلسطين أوسع من أن يجري اختزالها في غزة على شاطئ البحر المتوسط، وأكبر من أن نحبسها في هذا الشريط الأرضي الذي يمتد على الشاطئ ما امتد القطاع.

وقد واجه بابيه عنتاً كثيراً بسبب أفكاره التي تفرِّق بين اليهودية بصفتها ديانة سماوية نزلت من السماء كما نزلت المسيحية والإسلام، وبين الصهيونية بوصفها فكرة سياسية تبرِّر احتلال أرض الآخرين، وتشجع على ارتكاب ما تشهده غزة على امتداد ما يقرب من العامين. يفرِّق الرجل بينه هو نفسه يهودياً يَدين بدين نزلَ من السماء، وبين أي يهودي آخر يخلط بين اليهودية والصهيونية، ولا يحفظ قدر الديانة السماوية من سوء ما تحمله الفكرة الصهيونية من فساد وإفساد.

كان هذا باختصار هو ما قاله المفكر اليهودي وهو يزور مركز الشيخ إبراهيم في محافظة المحرق البحرينية، ثم وهو يلتقي فيه الجمهور المتعطش إلى أن يعيش يوماً يرى فيه عودة الحق لأصحابه في أرض فلسطين.

ولم يتوقف بابيه عند حدود التفرقة بين الديانة المجردة بطبيعتها من كل ما لا يتصل بمبادئ الدين، وبين الفكرة السياسية المُحمّلة بأطماع الإسرائيليين، ولكنه ذهب إلى الدعوة لأن يكون لدى العرب متحف يؤرِّخ لضحايا الدفاع عن الأرض ضد المحتلين.

كان بابيه يعرف أن لدى اليهود متاحف تؤرِّخ لما ألحقه بهم هتلر في زمن الحرب العالمية الثانية، وتوثِّق لما وقع بحق عدد من يهود ذلك الزمان، ولكنه كان ولا يزال يدهشه ألا تكون لدى العرب متاحف مماثلة توثِّق وتؤرِّخ لمسيرة طويلة في الدفاع عن أرض الآباء والأجداد في فلسطين. ومن مقر مؤسسة الجد، البحرين، دعا الرجل وهو يحاضر في الموجودين إلى أن يخرج متحف عربي من هذا النوع إلى النور.

دعا إلى ذلك ثم مضى في سبيله، ولكن دعوته لا تزال في مكانها لم تخرج إلى النور، ولو بحثت الدعوة عن أجواء تحتضنها وتغري بها، فلن تجد أفضل مما شهده ويشهده القطاع منذ إطلاق الحرب الإسرائيلية عليه في السنة قبل الماضية. ولا بد أن الشيخة مي تتمنى لو استطاعت أن تنشئ متحفاً لهذا الغرض في صباح الغد، بل تتمنى لو كانت قد سارعت إلى إخراج الفكرة للنور منذ أن أعلنها صاحبها ودعا إليها، ولكن فكرة كهذه تحتاج إلى عمل مؤسسات عربية كبيرة، وبإمكانات ضخمة، لا تتوفر بالضرورة لحفيدة الشيخ إبراهيم.

وعندما يأذن الله تعالى للفكرة أن ترى النور، فإن الشيء الأهم فيها سيكون الصورة ولا شيء آخر. أقصد الصور التي تجسد ما عاشته غزة طوال ما يقرب من السنتين، فالكلام الذي قيل عن محنة الفلسطينيين في القطاع بالذات وخارج القطاع في العموم، يمكن أن يجد مَنْ يقول إنه كلام غير دقيق أو غير صحيح، والأرقام المعلنة عن عدد الضحايا الذين فاقوا الخمسين ألفاً، يمكن أيضاً أن تواجه الكثير من التشكيك، ولكن لا تشكيك سوف ينفع مع الصور، ولا الاتهام بعدم الدقة وعدم الصحة سوف يجدي معها بالدرجة نفسها.

الصور المتوفرة عن فظائع الحرب على الفلسطينيين لا تقل بؤساً عن الصورة الشهيرة لفتاة فيتنام. تلك الصورة التي لا تزال محفورة في الذاكرة العامة، والتي يتجسد فيها منظر الفتاة وهي تركض عاريةً أمام قنابل النابالم الحارقة يوم ألقاها الأميركيون على الفيتناميين. شيء كهذا سوف يحققه المتحف الذي دعا إلى إنشائه بابيه، لأن الصور التي تنتظره بالعشرات، والمئات، والآلاف، وفيها يتجسد فعل الإنسان بأخيه الإنسان في أرض فلسطين، إذا جاز أن يوصف ما ارتكبه الإسرائيليون بأنه من فعل إنسان.

لم يمر الفلسطينيون على طول تاريخ القضية بما مرّوا به على مدى ما يقترب من السنتين الكاملتين، وليس من المعقول أن تضع الحرب أوزارها، ثم تنطوي معها صفحة الأهوال التي عاشوها بغير توثيق. فلقد قيل دائماً إن ما لا يتم توثيقه يبقى في حُكم غير الموجود.

صورة واحدة خلّدت وسوف تظل تخلِّد عمق ما تعرضت له فيتنام، ولكن ما أصاب أهل فلسطين لا تكفيه صورة واحدة، فكل صورة سوف ترسم زاوية، ومن مجمل الزوايا سوف تتكامل ملامح مأساة تتوارى أمامها ما جَرَت به فرشاة بيكاسو، يوم وضع أمامنا ما عاشته قرية جيرنيكا في بلاد الإسبان. فاللوحة التي تحمل اسم القرية، بَدَت ولا تزال تبدو، كأنها مرسومة بالدم مخلوطاً بالألوان.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

متحف الصورة الذي لا يخرج إلى النور متحف الصورة الذي لا يخرج إلى النور



GMT 07:57 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

رفعت الأسد… الأوّل في الدّولة المتوحّشة

GMT 07:55 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

سرُّ حياتهم

GMT 07:52 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

المعاون الأنيس للسيد الرئيس

GMT 07:50 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

كرة الثلج الأسترالية والسوشيال ميديا

GMT 07:48 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

أزمة غرينلاند وتفريغ السيادة

GMT 07:47 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

نظرية «المشكلات الشرسة» في التنمية

GMT 07:46 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

فلسطين... للفصائل وقت وللشعب كل الوقت

GMT 07:44 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

أشباح وأرواح يوسف شاهين

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 14:11 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 02:31 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

الجليسيرين المكوّن السحري لترطيب البشرة وحمايتها

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 11:51 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

إيهما الأهم القيادة أم القائد ؟

GMT 07:29 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

أفضل عطور موسم خريف وشتاء 2025-2026

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 02:22 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

تأثير ألعاب الفيديو على الدماغ

GMT 10:11 2023 الخميس ,13 إبريل / نيسان

موضة الأحذية في فصل ربيع 2023

GMT 21:55 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

الزمالك يفوز على الزهور 89-51 في دوري كرة السلة

GMT 07:12 2021 الإثنين ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

الدكتور خالد العناني يستعرض تاريخ وقصة اكتشاف معبد أبو سمبل

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 09:30 2017 الأحد ,04 حزيران / يونيو

تعرفِ على طريقة عمل الدجاج على الجمر

GMT 16:48 2017 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الكشف عن قميص المنتخب المصري في مونديال روسيا 2018

GMT 19:18 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

ناسا تخطط لبناء مفاعل نووي على سطح القمر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt