توقيت القاهرة المحلي 18:03:05 آخر تحديث
  مصر اليوم -

وزير خارجية مصر عندما يكتب

  مصر اليوم -

وزير خارجية مصر عندما يكتب

بقلم: سليمان جودة

يتكلم وزير الخارجية في العادة ولا يكتب، لأنه لا يملك من الوقت ما يجعله يجلس في هدوء ليحرر مقالاً، ولأنه يعتمد على متحدث رسمي يقول ما تشاء الوزارة أن تقوله.

وإذا كانت الإشارة هنا إلى وزير الخارجية في الحكومة من دون زملائه من الوزراء في الحكومة نفسها، فلأن وزارة الخارجية تظل تتعاطى مع الأحداث على مدار الليل والنهار. فاختلاف التوقيت بين أركان الأرض يجعل مثل هذا التعاطي متواصلاً بغير انقطاع على مدى اليوم، ولا يعطي الرجل الجالس على رأس وزارة كالخارجية فرصة يستريح فيها قليلاً إلا بالكاد.

وقد أبى وزير خارجية مصر الدكتور بدر عبد العاطي، إلا أن يكسر هذه العادة التي تحصر التواصل مع الجمهور من جانب كل مسؤول مثله في الحديث الشفهي، ولا تمتد به إلى حدود الحديث المكتوب إلا في أقل القليل. كان ذلك عندما نشر مقالاً باسمه في صحيفة «الأهرام» تحت عنوان يقول: «مصر وغزة... حين يُستهدف مَنْ يقف مع الحق».

تذكرت وأنا أطالع مقال الوزير ما كان المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي يفعله، كلما مضى في تحرير فصل جديد من كتابه الشهير: «عجائب الآثار في التراجم والأخبار». فالجبرتي كان كلما انتهى من فصل جديد راح يراجعه، فإذا اطمأن إلى أن ما فيه هو بالضبط ما يريد أن يخرج به على الناس، كتب في آخر الفصل عبارة تقول: «الحمد لله ما نُسب إليّ صحيح».

ظاهر العبارة يوحي كأن الجبرتي كان يضعها في نهاية كلام حرَّره له شخص آخر، وهذا إيحاء غير صحيح طبعاً، فالقصد كان أن يقول المؤرخ الشهير إن ما كتبه بيده هو على وجه التحديد ما يرغب في أن يصل به إلى القارئ في زمانه، ثم في أي زمان جاء هذا القارئ من بعد.

أتصور أن معنى كهذا كان في ذهن الدكتور عبد العاطي وهو يجلس ليحرر المقال، ثم وهو يرسله إلى «الأهرام» لتنشره على قرائها في كل مكان. فموضوع المقال تكلم فيه صاحبه مراراً قبل تسجيله مكتوباً، ولكنه في لحظة أحس فيما يبدو بأن ما هو مكتوب مختلف عما هو مرئي، أو عمَّا هو مُذاع في العموم بالضرورة.

مختلف لأن الكلمة المرئية حين تخرج على جمهورها، فإنها تصل إليه كأنها رصاصة انطلقت، ولا يمكن بالتالي إعادتها إلى حيث انطلقت من جديد، ولا من الممكن الإمساك بها وهي طائرة في الهواء لتصحيح حرف فيها أو أكثر، وكذلك بالطبع كل كلمة مُذاعة عبر موجات الإذاعة. أما الكلمة المكتوبة فشيء آخر تماماً، لأنها تظل في مكانها في انتظار مَنْ يحب أن يعود إليها، وإذا عاد إليها فسوف يجدها كما هي لم يتغير فيها حرف ولم يتبدل فيها معنى.

لهذا كتب عبد العاطي، ولهذا نشر ما كتبه، ولهذا آثر أن يضع ما يحب من المعاني في حروف تبقى محفورة في مكانها لا تغادره.

فما هي يا تُرى هذه المعاني؟ ولماذا لجأ الوزير إلى الورق المنشور على القراء يبثه ما يتمنى لو وصل إلى كل قارئ في كل بيت؟ المعاني تجدها موجزة في عنوان المقال، وتجد إلى جوارها في العنوان مفارقة أرادها وزير خارجية المحروسة أن تكون حاضرة، لعل قارئ المقال يلتفت إليها فلا تفوته في زحام ما هو حاصل من حولنا.

فمنذ بدء حرب الإبادة التي تشنها حكومة التطرف في تل أبيب على الفلسطينيين في قطاع غزة بالأساس، ثم في الضفة الغربية مع القطاع، كان موقف القاهرة في وضوح الشمس، وكان الموقف ولا يزال يتلخص في أن القضية في فلسطين إذا كانت في حاجة إلى شيء محدد، فهذا الشيء هو التسوية لا التصفية بأي حال.

وعندما انتقلت حكومة التطرف الإسرائيلية من حرب الإبادة، إلى محاولة تهجير الفلسطينيين من أرضهم المحتلة، كان موقف القاهرة هنا أيضاً بالوضوح ذاته، وكان أساسه أن الأرض في القطاع إذا كانت في حاجة إلى شيء محدد أيضاً، فهذا الشيء هو التعمير لا التهجير.

هكذا كان الموقف، وهكذا كان وضوحه في الحالتين، ومع ذلك فوجئ المصريون كما فوجئ سواهم بمظاهرات تستهدف بعض السفارات المصرية، وتحاول الاعتداء عليها وعلى العاملين فيها، وكانت هذه هي المفارقة المشار إليها.

هي مفارقة لأن السبب المعلن وراء المظاهرات أن مصر تسهم في محاصرة القطاع. ولا بد أنه سبب مضحك ومحزن معاً. مضحك لأن كل المعابر التي تربط القطاع بإسرائيل مغلقة، بينما المعبر الوحيد الذي يربطه بمصر مفتوح طول الوقت. ومحزن لأن الذين خرجوا محتجين أمام بعض السفارات كانوا مصريين! ولكن إذا عرفنا أنهم ممن ينتمون إلى جماعة الإخوان فسوف تزول أسباب العجب.

من أجل ذلك جلس الوزير يكتب، ومن أجل ذلك رغب في أن يسجل أن ما جرى أمام أي سفارة مصرية لا يصبّ إلا لدى تل أبيب، ولا يسعى إلى شيء إلا إلى تضليل الناس. من أجل ذلك أيضاً سعى الوزير إلى أن يسجل بالكلمة المكتوبة أن الوساطة المصرية في القضية ليست مجرد تحرك دبلوماسي، ولكنها تعبير عن مسؤولية تاريخية والتزام قومي تجاه القضية. وقد بدا وهو يضع اسمه وصورته على المقال كأنه يقول مثلما كان الجبرتي يقوله: «الحمد لله ما نُسب إليّ في مقالي هذا صحيح».

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وزير خارجية مصر عندما يكتب وزير خارجية مصر عندما يكتب



GMT 09:44 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

GMT 09:42 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

تحديات وقف إطلاق النار

GMT 09:40 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

نيران إسرائيلية صديقة!

GMT 09:38 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

عودة رواد الفضاء

GMT 09:36 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

هولاكو وأمير المؤمنين

GMT 09:35 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

هل ضعفت مناعة لبنان؟

GMT 09:33 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

دائما: مصر تدعم لبنان !

GMT 10:44 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

الحرب وقطاع المنسوجات!

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:37 2023 الجمعة ,03 آذار/ مارس

افتتاح مطعم وجبات خفيفة أثري في إيطاليا

GMT 17:38 2017 الجمعة ,04 آب / أغسطس

قانون للتواصل الاجتماعي

GMT 16:34 2015 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

سيارة Toyota Fortuner 2016 بتصميم مختلف كليًا

GMT 08:58 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

يتحدث هذا اليوم عن مغازلة في محيط عملك

GMT 11:18 2019 الثلاثاء ,20 آب / أغسطس

اهمية تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر

GMT 18:54 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

مدرب الاتحاد السكندري يُغير طريقة اللعب بعد رحيل هاني رمزي

GMT 20:04 2025 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

ماسك يتوقع أن الذكاء الاصطناعي سيجعل سكان العالم أثرياء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt