بقلم: سليمان جودة
أغرب ما فى محاولة اغتيال ترامب أنه لما علّق عليها استبعد أن تكون لإيران علاقة بها، وقد سارع إلى القول بهذا بعد وقوع المحاولة بساعات معدودة، ولم تكن التحقيقات قد بدأت بعد، وكأنه أراد أن يسد الطريق أمام وجود مثل هذه العلاقة فى المستقبل!
التعليق المتسرع من جانب الرئيس الأمريكى لا يمكن أن يكون عشوائياً، فليس من المتصور لساكن البيت الأبيض أن يُطلق تعليقاً كهذا دون هدف، ولا يمكن أن يكون حديثه كلاماً فى الهواء أو فى الفراغ بغير حساب.
فالتعليق بهذا الشكل يقطع الطريق على أجهزة التحقيقات فى إدانة إيران إذا تبين أن لها علاقة، ولا يمكن للمحقق والحال هكذا أن يعلن ما يدين الإيرانيين إذا انتهى إلى ما يدينهم.. وكيف يعلن ذلك إذا كان الرئيس قد استبق وبرأ حكومة المرشد فى طهران؟
هذه واحدة.. والثانية أن ما بادر به ترامب فى تعليقه يشير إلى رغبة من جانبه فى التهدئة مع إيران، وعدم التصعيد فى التعامل معها، ويبدو أن هذا أسلوب أمريكى معتمد منذ الإعلان عن وقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران فى الثامن من هذا الشهر. فعندما ذهب الطرفان للتفاوض فى باكستان، بدا أن الإيرانيين لا يسلمون بما تطلبه الولايات المتحدة، بل إنهم يضعون ما يشبه الشروط للجلوس على مائدة المفاوضات!
ولا يمكن فصل هذا كله عما قاله المستشار الألمانى فريدريش ميرتس فى حديث له مع الطلاب فى مدينة مارسبرج الألمانية.
كان حديث ميرتس فى نفس يوم محاولة اغتيال ترامب، وبالتالى فى نفس يوم تعليقه الذى يبرئ الإيرانيين قبل اكتمال التحقيقات. ومما قاله المستشار الألمانى إن إيران تدير مفاوضاتها مع الأمريكيين بمهارة واضحة، وإنها أقوى مما كنا نعتقد. وعندما يقول ميرتس «كنا» فهو يقصد الغرب فى العموم، بما فى ذلك الأوروبيون والأمريكيون، وربما يقصد العالم كله الذى تضرر من الحرب ومن إغلاق مضيق هرمز، ولا يقصد الألمان وحدهم بالطبع!
السؤال هو: هل تريد الولايات المتحدة القضاء على إيران كما كان ترامب يقول ويردد؟ الحاصل أمامنا يقول إن إدارة ترامب أرادت القضاء على الجزء الإيرانى الذى قد يهدد إسرائيل.. أقول قد لأن إيران ليس من بين أهدافها الاشتباك مع إسرائيل فى أى وقت، وموقفها فى أثناء الحرب على غزة دليل واضح على هذا، ولكن تلك على كل حال قصة أخرى.. أما الجزء الآخر من إيران فلا بد أن يبقى لتظل واشنطن تبتز به العرب.