توقيت القاهرة المحلي 09:01:51 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ونفس وما سوّاها

  مصر اليوم -

ونفس وما سوّاها

أسامة غريب

       أثناء الدراسة الجامعية كان لنا أستاذ يدرّسنا الشعر والتذوق الأدبى، وكان المدرج فى محاضرته يمتلئ عن آخره، حيث امتلك الرجل أدوات المُحاضِر المتمكن، وكانت له موهبة لافتة فى التدريس وتأليف قلوب الطلبة من حوله. وقد بلغت شعبيته حد أن زملاءنا بالكليات المجاورة، الذين كانوا فى العادة من زبائن الكافيتريا المقيمين قد كُلِفوا بهذا الأستاذ وأصبحوا من دراويشه ومريديه، فكانوا يهجرون الكافيتريا ويأتون إلى مدرجنا عند حضوره ليجلسوا بيننا ويزاحموننا فى محاضرتنا! وبطبيعة الحال لم أكن أختلف عن غيرى من حيث حبى لهذا الأستاذ وشغفى بحضور دروسه والاستماع إليه. ذات محاضرة كان يتحدث إلينا عن أغراض الشعر العربى القديم، وعندما وصل إلى الحديث عن الرثاء أنشد لنا نماذج مؤثرة من الأشعار التى تعد من عيون الشعر العربى، ثم أخبرنا بأن الشاعر العربى القديم رثى أمه وأباه وأخته وأخاه وابنه وابنته، لكنه لم يسمح لنفسه أبدا أن يرثى زوجته! وأضاف أن العربى كان فى الغالب يُنزل الزوجة منزلة متدنية ويعتبرها بعض متاعه، فكان إذا ماتت له امرأة أحلّ أخرى مكانها على الفور، قائلا: بدّلتُ فرشى! أحدث كلام الأستاذ دهشة، فسرت همهمة فى القاعة وانبرى أحد الطلاب سائلا: هل هذا معقول؟ أليس هناك من الشعراء العرب الجاحدين من رثى زوجة كان يحبها؟ نفى الأستاذ الأمر نفيا قاطعا، وقال إنه يتحدى أن يعثر أحدنا على شىء من هذا! كنت أعرف بسبب اهتمامى بالشعر أن رثاء الزوجات ليس أمرًا متكررًا عند الشاعر العربى القديم، لكنى كنت أعرف أيضا أن النفى القاطع الذى جزم به الأستاذ غير صحيح فرفعت يدى مستأذنا فى الكلام، فلما أذن لى الأستاذ قلت: إن هناك قصيدة رائعة قرأتها للشاعر جرير رثى فيها زوجته بأبيات من أنقى وأرق ما قيل فى الرثاء. وهنا تحول وجه الأستاذ إلى اللون الأحمر وبدا عليه أنه تفاجأ، ثم سألنى فى تهكم: هل تريد أن تقول إنك تعرف أكثر منى فى هذا الأمر؟ أدهشنى الرد من الأستاذ الذى أحبه وأحترمه وأشعرنى بالارتباك، لكن غُدّة التحدى التى تفرز فى مثل هذه الأحوال ساعدتنى على أن أقول له: عفوا أستاذى أنا لا أطاولك فى هذا الأمر، وبالرغم من هذا فإن الشاعر جرير قد قال فى رثاء زوجته: لولا الحياء لهاجنى استعبار ولزرت قبرك والحبيب يزار ولّهت قلبى إذ علتنى كبرةٌ وذوو التمائم من بنيك صغار صلى الملائكة الذين تُخيروا والطيبون عليك والأبرار لا يلبث القرناءُ أن يتفرقوا ليل يكر عليهمُ ونهار ما كدت أنتهى من أبيات جرير حتى صاح الأستاذ وهو يرمى شرره تجاهى: طيب يا فالح.. اقعد. ثم أنهى المحاضرة فى عصبية وانصرف! لم أفهم سر غضبه وعصبيته فأنا لم أغلط فى شىء.. هو الذى أخذته العزة بالإثم، مع أنه لا يقلل من قدره خفاء هذا الأمر التافه عنه.. لكنها النفس البشرية العجيبة! وقتها لم أكن قد قرأت بعد عن العلامة الأستاذ محمود شاكر وقصة خلافه الشهير مع الدكتور طه حسين عندما كان يدرس على يديه، وكانت له وقفة مع الدكتور طه حيث كشف المواضع التى اقتبسها طه حسين من بعض المستشرقين ووضعها فى كتاب الشعر الجاهلى منسوبة إلى نفسه! وعندها كان رد الدكتور طه لا يختلف عن رد أستاذى الذى يعلمُ الله أننى لم أقصد إحراجه أبدًا، على العكس كنت أظنه سيفرح بى ويقربنى منه. لم يحتمل محمود شاكر الموقف فترك الجامعة إلى الأبد وهاجر إلى الحجاز لسنوات طويلة. أما أنا فلم أهاجر للحجاز لكنى هاجرت إلى داخل نفسى بعد أن أصبت بشرخ لم تفلح الأيام فى رأبه! نقلاً عن جريدة "التحرير"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ونفس وما سوّاها ونفس وما سوّاها



GMT 10:44 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

الحرب وقطاع المنسوجات!

GMT 10:41 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

هل يتأثر المتصهينون؟

GMT 10:40 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

لبنان بين هدنة القوة وسلام الضرورة

GMT 10:36 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

مآرب أخرى

GMT 10:33 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

العودة إلى القمر

GMT 10:31 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

عالم الأزمات!

GMT 10:30 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

تخصيب اليورانيوم

GMT 11:33 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

هو هنا وهناك

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:37 2023 الجمعة ,03 آذار/ مارس

افتتاح مطعم وجبات خفيفة أثري في إيطاليا

GMT 17:38 2017 الجمعة ,04 آب / أغسطس

قانون للتواصل الاجتماعي

GMT 16:34 2015 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

سيارة Toyota Fortuner 2016 بتصميم مختلف كليًا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt