بقلم : عبد اللطيف المناوي
ما يحدث فى لبنان اليوم لا يمكن اختزاله فى كونه مجرد وقف لإطلاق النار أو بداية مسار تفاوضى تقليدى مع إسرائيل. نحن أمام لحظة أكثر تعقيدًا، لحظة تُعاد فيها صياغة توازنات داخلية وإقليمية فى آن واحد، وتُطرح خلالها أسئلة تتجاوز الميدان العسكرى إلى طبيعة الدولة نفسها، هل نحن أمام سلام حقيقى يمكن أن يدوم؟ هل انتهى حزب الله كقوة فاعلة؟ ومن يملك القرار، لبنان وإسرائيل، أم أن ما يجرى يُفرض من الخارج؟
المدخل الصحيح لفهم هذه اللحظة هو إدراك أن «الهدنة» الحالية لم تأتِ نتيجة توازن بين طرفين، بل نتيجة خلل واضح فى موازين القوة. إسرائيل، بعد أشهر من العمليات العسكرية، تسعى إلى تثبيت واقع أمنى جديد، يضمن إبعاد التهديد عن حدودها الشمالية، وربما فرض ترتيبات طويلة الأمد فى الجنوب اللبنانى. فى المقابل، الدولة اللبنانية، المثقلة بأزمة اقتصادية خانقة وانقسام سياسى حاد، تتعامل مع هذا المسار من موقع الحاجة، لا من موقع الاختيار الكامل. إنها تبحث عن وقف للنزيف بأى صيغة ممكنة، حتى لو جاءت هذه الصيغة بشروط صعبة.
هذا مفهوم «سلام الضرورة» أو «سلام المضطر». ليس سلامًا نابعًا من تسوية سياسية متكافئة، بل نتيجة ضغط مركّب، ضغط عسكرى، وضغط اقتصادى، وضغط دولى. وهذا يفسر لماذا تبدو المفاوضات الجارية بوساطة ودور أمريكى حاسم أقرب إلى عملية إدارة للأزمة منها إلى حل جذرى لها. الولايات المتحدة لا تلعب دور الوسيط المحايد بقدر ما تتحرك كمهندس لترتيب أوسع، يتجاوز لبنان وإسرائيل إلى محاولة إعادة ضبط توازنات المنطقة، بما فى ذلك تقليص تأثير القوى المرتبطة بإيران.
أما عن طبيعة «السلام» المحتمل، فمن الصعب الحديث عن سلام دائم بالمعنى التقليدى. السلام المستقر يحتاج إلى توازن قوة، وقبول متبادل، وشرعية داخلية واضحة، وهى شروط لا تبدو متوفرة بالكامل فى الحالة اللبنانية الراهنة. ما يتشكل الآن أقرب إلى ترتيب أمنى طويل الأمد، يهدف إلى تجميد الصراع وضبطه، لا إنهاء جذوره.
السؤال الأعمق يتعلق بالقرار، هل هو قرار لبنانى– إسرائيلى فعلاً؟ أم أنه يُفرض ضمن معادلة أوسع؟
الواقع يشير إلى مزيج من الاثنين. هناك مصالح مباشرة للطرفين تدفع نحو التهدئة، لكن الإطار العام للحل يُرسم إلى حد كبير خارجهما. وهذا يضع لبنان فى موقع معقد، طرف فى التفاوض، لكنه ليس صاحب اليد العليا فى تحديد شروطه.
لا يمكن فهم ما يجرى بوصفه نهاية للصراع، بل كمرحلة انتقالية فى مسار أطول. لبنان لا يدخل سلامًا بالمعنى الكامل، بل يقترب من صيغة تهدئة مفروضة بميزان القوة. وحزب الله لا يخرج من المشهد، لكنه يواجه إعادة تعريف لدوره. أما القرار، فلا يزال موزعًا بين الداخل والخارج، فى لحظة تختبر فيها الدولة اللبنانية قدرتها على استعادة سيادتها، أو التكيف مع واقع يُعاد تشكيله من حولها.
ربما يكون السؤال الأدق ليس، هل انتهت الحرب؟ بل أى شكل ستتخذه فى المرحلة القادمة؟.